شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة ص: الآيات 21-26

لما ذكر تعالى أنه آتى نبيه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفا بذلك مقصودا، ذكر تعالى نبأ خصمين اختصما عنده في قضية جعلهما الله فتنة لداود، وموعظة لخلل ارتكبه، فتاب الله عليه وغفر له، وقيض له هذه القضية، فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وهل أتاك نبؤا الخصم } فإنه نبأ عجيب { إذ تسوروا } على داود { المحراب } أي: محل عبادته من غير إذن ولا استئذان، ولم يدخلوا عليه مع باب، فلذلك لما دخلوا عليه بهذه الصورة، فزع منهم وخاف، فقالوا له: نحن { خصمان } فلا تخف { بغى بعضنا على بعض } بالظلم { فاحكم بيننا بالحق } أي: بالعدل، ولا تمل مع أحدنا { ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط }. والمقصود من هذا، أن الخصمين قد عرف أن قصدهما الحق الواضح الصرف، وإذا كان ذلك، فسيقصان عليه نبأهما بالحق، فلم يشمئز نبي الله داود من وعظهما له، ولم يؤنبهما. فقال أحدهما: { إن هذآ أخي } نص على الأخوة في الدين أو النسب أو الصداقة، لاقتضائها عدم البغي، وأن بغيه الصادر منه أعظم من غيره. { له تسع وتسعون نعجة } أي: زوجة، وذلك خير كثير، يوجب عليه القناعة بما آتاه الله. { ولي نعجة واحدة } فطمع فيها { فقال أكفلنيها } أي: دعها لي، وخلها في كفالتي. { وعزني في الخطاب } أي: غلبني في القول، فلم يزل بي حتى أدركها أو كاد. فقال داود - لما سمع كلامه - ومن المعلوم من السياق السابق من كلامهما، أن هذا هو الواقع، فلهذا لم يحتج أن يتكلم الآخر، فلا وجه للاعتراض بقول القائل: " لم حكم داود قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر؟ " { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } وهذه عادة الخلطاء والقرناء الكثير منهم، فقال: { وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض } لأن الظلم من صفة النفوس. { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح، يمنعهم من الظلم. { وقليل ما هم } كما قال تعالى

وقليل من عبادي الشكور

[سبأ: 13] { وظن داوود } حين حكم بينهما { أنما فتناه } أي: اختبرناه، ودبرنا عليه هذه القضية ليتنبه { فاستغفر ربه } لما صدر منه، { وخر راكعا } أي: ساجدا { وأناب } لله تعالى بالتوبة النصوح والعبادة. { فغفرنا له ذلك } الذي صدر منه، وأكرمه الله بأنواع الكرامات، فقال: { وإن له عندنا لزلفى } أي: منزلة عالية، وقربة منا، { وحسن مآب } أي: مرجع. وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها. { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض } تنفذ فيها القضايا الدينية والدنيوية، { فاحكم بين الناس بالحق } أي: العدل، وهذا لا يتمكن منه، إلا بعلم بالواجب، وعلم بالواقع، وقدرة على تنفيذ الحق، { ولا تتبع الهوى } فتميل مع أحد، لقرابة أو صداقة أو محبة، أو بغض للآخر { فيضلك } الهوى { عن سبيل الله } ويخرجك عن الصراط المستقيم، { إن الذين يضلون عن سبيل الله } خصوصا المتعمدين منهم، { لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } فلو ذكروه ووقع خوفه في قلوبهم، لم يميلوا مع الهوى الفاتن.

الصفحة السابقة الصفحة التالية