تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة المدثر: الآيات 11-31
هذه الآيات، نزلت في الوليد بن المغيرة، معاند الحق، والمبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقة، فذمه الله ذما لم يذمه غيره، وهذا جزاء كل من عاند الحق ونابذه، أن له الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، فقال: { ذرني ومن خلقت وحيدا } أي: خلقته منفردا، بلا مال ولا أهل، ولا غيره، فلم أزل أنميه وأربيه، { وجعلت له مالا ممدودا } أي: كثيرا { و } جعلت له { بنين } أي: ذكورا { شهودا } أي: دائما حاضرين عنده، [على الدوام] يتمتع بهم، ويقضي بهم حوائجه، ويستنصر بهم. { ومهدت له تمهيدا } أي: مكنته من الدنيا وأسبابها، حتى انقادت له مطالبه، وحصل على ما يشتهي ويريد، { ثم } مع هذه النعم والإمدادات { يطمع أن أزيد } أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا. { كلا } أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك لأنه { كان لآياتنا عنيدا } أي: معاندا، عرفها ثم أنكرها، ودعته إلى الحق فلم ينقد لها ولم يكفه أنه أعرض وتولى عنها، بل جعل يحاربها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه: { إنه فكر } [أي:] في نفسه { وقدر } ما فكر فيه، ليقول قولا يبطل به القرآن. { فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر } لأنه قدر أمرا ليس في طوره، وتسور على ما لا يناله هو و [لا] أمثاله، { ثم نظر } ما يقول، { ثم عبس وبسر } في وجهه، وظاهره نفرة عن الحق وبغضا له، { ثم أدبر } أي: تولى { واستكبر } نتيجة سعيه الفكري والعملي والقولي، أن قال: { إن هذآ إلا سحر يؤثر * إن هذآ إلا قول البشر } أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضا كلام البشر الأخيار، بل كلام الفجار منهم والأشرار، من كل كاذب سحار. فتبا له، ما أبعده من الصواب، وأحراه بالخسارة والتباب!! كيف يدور في الأذهان، أو يتصوره ضمير كل إنسان، أن يكون أعلى الكلام وأعظمه، كلام الرب العظيم، الماجد الكريم، يشبه كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرأ هذا الكاذب العنيد، على وصفه كلام المبدئ المعيد. فما حقه إلا العذاب الشديد والنكال، ولهذا قال تعالى: { سأصليه سقر * ومآ أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر } أي: لا تبقي من الشدة، ولا على المعذب شيئا إلا وبلغته، { لواحة للبشر } أي: تلوحهم [وتصليهم] في عذابها، وتقلقهم بشدة حرها وقرها. { عليها تسعة عشر } من الملائكة، خزنة لها، غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. { وما جعلنآ أصحب النار إلا ملئكة } وذلك لشدتهم وقوتهم. { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } يحتمل أن المراد: إلا لعذابهم وعقابهم في الآخرة، ولزيادة نكالهم فيها، والعذاب يسمى فتنة، كما قال تعالى:
يوم هم على النار يفتنون
[الذاريات: 13] ويحتمل أن المراد: أنا ما أخبرناكم بعدتهم، إلا لنعلم من يصدق ومن يكذب، ويدل على هذا، ما ذكر بعده في قوله: { ليستيقن الذين أوتوا الكتب ويزداد الذين ءامنوا إيمنا } فإن أهل الكتاب، إذا وافق ما عندهم وطابقه، ازداد يقينهم بالحق، والمؤمنون كلما أنزل الله آية، فآمنوا بها وصدقوا، ازداد إيمانهم، { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب والمؤمنون } أي: ليزول عنهم الريب والشك، وهذه مقاصد جليلة، يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين، وزيادة الإيمان في كل وقت، وكل مسألة من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تعرض في مقابلة الحق، فجعل ما أنزله الله على رسوله محصلا لهذه الفوائد الجليلة، ومميزا للكاذبين من الصادقين، ولهذا قال: { وليقول الذين في قلوبهم مرض } أي: شك وشبهة ونفاق. { والكفرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } وهذا على وجه الحيرة والشك، والكفر منهم بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه، وإضلاله لمن يضل، ولهذا قال: { كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء } فمن هداه الله، جعل ما أنزله الله على رسوله رحمة في حقه، وزيادة في إيمانه ودينه، ومن أضله، جعل ما أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه وحيرة، وظلمة في حقه، والواجب أن يتلقى ما أخبر الله به ورسوله بالتسليم، فإنه لا يعلم جنود ربك من الملائكة وغيرهم { إلا هو } فإذا كنتم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير، فعليكم أن تصدقوا خبره، من غير شك ولا ارتياب، { وما هي إلا ذكرى للبشر } أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصودا به العبث واللعب، وإنما المقصود به، أن يتذكر [به] البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه.
