تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة المدثر: الآيات 32-56
{ كلا } هنا بمعنى: حقا، أو بمعنى " ألا " الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه والمقسم عليه قوله: { إنها } أي: النار { لإحدى الكبر } أي: لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر [عما خلق له و] عما يحبه الله [ويرضاه]، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم، كما قال تعالى:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
الآية [الكهف: 29]. { كل نفس بما كسبت } من أعمال السوء وأفعال الشر، { رهينة } بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب، { إلا أصحاب اليمين } فإنهم لم يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا { في جنات يتسآءلون * عن المجرمين } أي: في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم الراحة والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا عن المجرمين، أي: حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى؟ فقال بعضهم لبعض: " هل أنتم مطلعون عليهم " ، فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم يعذبون، فقالوا لهم: { ما سلككم في سقر } أي: أي شيء أدخلكم فيها؟ وبأي: ذنب استحققتموها؟ ف { قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين } فلا إخلاص للمعبود، [ولا إحسان] ولا نفع للخلق المحتاجين. { وكنا نخوض مع الخآئضين } أي: نخوض بالباطل، ونجادل به الحق، { وكنا نكذب بيوم الدين } هذا آثار الخوض بالباطل، [وهو] التكذيب بالحق، ومن أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله وحكمه العدل لسائر الخلق. فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد { حتى أتانا اليقين } أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر تعذرت حينئذ عليهم الحيل، وانسد في وجوههم باب الأمل، { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم. فلما بين الله مآل المخالفين، ورهب مما يفعل بهم، عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال: { فما لهم عن التذكرة معرضين } أي: صادين غافلين عنها. { كأنهم } في نفرتهم الشديدة منها { حمر مستنفرة } أي: كأنهم حمر وحش نفرت فنفر بعضها بعضا، فزاد عدوها، { فرت من قسورة } أي: من صائد ورام يريدها، أو من أسد ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النفور عن الحق، ومع هذا الإعراض وهذا النفور، يدعون الدعاوى الكبار. ف { يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } نازلة عليه من السماء، يزعم أنه لا ينقاد للحق إلا بذلك، وقد كذبوا، فإنهم لو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فإنهم جاءتهم الآيات البينات التي تبين الحق وتوضحه، فلو كان فيهم خير لآمنوا، ولهذا قال: { كلا } أن نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلا التعجيز، { بل لا يخافون الآخرة } فلو كانوا يخافونها، لما جرى منهم ما جرى.
{ كلا إنه تذكرة } الضمير إما أن يعود على هذه السورة، أو على ما اشتملت عليه [من] هذه الموعظة، { فمن شآء ذكره } لأنه قد بين له السبيل، ووضح له الدليل. { وما يذكرون إلا أن يشآء الله } فإن مشيئته نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبرية، الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقة وفعلا، وجعل ذلك تابعا لمشيئته، { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } أي: هو أهل أن يتقى ويعبد، لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه.
