تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الأعراف: الآيات 103-171
{ قالوا } لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: { أوذينا من قبل أن تأتينا } فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا { ومن بعد ما جئتنا } كذلك ف { قال } لهم موسى مرجيا [لهم] الفرج والخلاص من شرهم: { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها { فينظر كيف تعملون } هل تشكرون أم تكفرون؟. وهذا وعد أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله. قال الله تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة الأخيرة، أنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون. الآيات: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين } أي: بالدهور والجدب، { ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون } أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم والفساد. { فإذا جآءتهم الحسنة } أي: الخصب وإدرار الرزق { قالوا لنا هذه } أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها { وإن تصبهم سيئة } أي: قحط وجدب { يطيروا بموسى ومن معه } أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له. قال الله تعالى: { ألا إنما طائرهم عند الله } أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل { أكثرهم لا يعلمون } أي: فلذلك قالوا ما قالوا. { وقالوا } مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن باطلهم: { مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين } أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل. { فأرسلنا عليهم الطوفان } أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا { والجراد } فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم { والقمل } قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف { والضفادع } فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة { والدم } إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم. { آيات مفصلات } أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حق وصدق { فاستكبروا } لما رأوا الآيات { وكانوا } في سابق أمرهم { قوما مجرمين } فلذلك عاقبهم الله تعالى، بأن أبقاهم على الغي والضلال.
{ ولما وقع عليهم الرجز } أي: العذاب، يحتمل أن المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب، وأنهم كلما أصابهم واحد منها { قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي: تشفعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي والشرع، { لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل } وهم في ذلك كذبة، لا قصد لهم إلا زوال ما حل بهم من العذاب، وظنوا إذا رفع لا يصيبهم غيره. { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه } أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفا مؤبدا، وإنما هو مؤقت، { إذا هم ينكثون } العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل، فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمروا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين. { فانتقمنا منهم } أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا، وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده
فأرسل فرعون في المدآئن حاشرين
[الشعراء: 53] يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم:
إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغآئظون * وإنا لجميع حاذرون * فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل * فأتبعوهم مشرقين * فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين * فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين
[الشعراء: 54-66]. وقال هنا: { فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق. { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } في الأرض، أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم الله { مشارق الأرض ومغاربها } والمراد بالأرض هاهنا، أرض مصر التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم الله جميعا، ومكنهم فيها التي باركنا فيها { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا } حين قال لهم موسى:
استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين
[الأعراف: 128]. { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه } من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة { وما كانوا يعرشون }
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون
[النمل: 52]. { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر } بعد ما أنجاهم الله من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم الله، وبنوا إسرائيل ينظرون.
{ فأتوا } أي: مروا { على قوم يعكفون على أصنام لهم } أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها. ف { قالوا } من جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم { يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة } أي: اشرع لنا أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء. ف { قال } لهم موسى: { إنكم قوم تجهلون } وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟!! ولهذا قال لهم موسى: { إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } لأن دعاءهم إياها باطل، وهي باطلة بنفسها، فالعمل باطل وغايته باطلة. { قال أغير الله أبغيكم إلها } أي: أأطلب لكم إلها غير الله المألوه، الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله. { وهو فضلكم على العالمين } فيقتضي أن تقابلوا فضله وتفضيله بالشكر، وذلك بإفراده وحده بالعبادة، والكفر بما يدعي من دونه. ثم ذكرهم بما امتن الله به عليهم فقال: { وإذ أنجيناكم من آل فرعون } أي: من فرعون وآله { يسومونكم سوء العذاب } أي: يوجهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا { يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم } النجاة من عذابهم { بلاء من ربكم عظيم } أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم، فلما ذكرهم موسى ووعظهم انتهوا عن ذلك. ولما أتم الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد الله، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها. ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: { اخلفني في قومي } أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، { وأصلح } أي: اتبع طريق الصلاح { ولا تتبع سبيل المفسدين } وهم الذين يعملون بالمعاصي. { ولما جآء موسى لميقاتنا } الذي وقتناه له لإنزال الكتاب { وكلمه ربه } بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية الله، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته. ف { قال رب أرني أنظر إليك } الله { لن تراني } أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى، ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه } إذا تجلى الله له { فسوف تراني }.
