شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)

الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الأعراف: الآيات 103-171

{ فلما تجلى ربه للجبل } الأصم الغليظ { جعله دكا } أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية الله وعدم ثبوته لها، { وخر موسى } حين رأى ما رأى { صعقا } فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية الله، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و[لذلك] { قال سبحانك } أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك { تبت إليك } من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك { وأنا أول المؤمنين } أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل الله له مما كان يجهله قبل ذلك، فلما منعه الله من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال: { يموسى إني اصطفيتك على الناس } أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، { برسالاتي } التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق. { وبكلامي } إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، { فخذ مآ آتيتك } من النعم، وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، { وكن من الشاكرين } لله على ما خصك وفضلك. { وكتبنا له في الألواح من كل شيء } يحتاج إليه العباد { موعظة } ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، { وتفصيلا لكل شيء } من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب { فخذها بقوة } أي: بجد واجتهاد على إقامتها، { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر الله - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة. { سأوريكم دار الفاسقين } بعد ما أهلكهم الله، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون. وأما غيرهم، فقال عنهم: { سأصرف عن آياتي } أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب { الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } أي: يتكبرون على عباد الله وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه الله خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات الله ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح. { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } لإعراضهم واعتراضهم، ومحادتهم لله ورسوله، { وإن يروا سبيل الرشد } أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته. { لا يتخذوه } أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه { وإن يروا سبيل الغي } أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء { يتخذوه سبيلا } والسبب في انحرافهم هذا الانحراف { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب.

{ والذين كذبوا بآياتنا } العظيمة الدالة على صحة ما أرسلنا به رسلنا. { ولقآء الآخرة حبطت أعمالهم } لأنها على غير أساس، وقد فقد شرطها وهو الإيمان بآيات الله، والتصديق بجزائه { هل يجزون } في بطلان أعمالهم وحصول ضد مقصودهم { إلا ما كانوا يعملون } فإن أعمال من لا يؤمن باليوم الآخر، لا يرجو فيها ثوابا، وليس لها غاية تنتهي إليه، فلذلك اضمحلت وبطلت { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا } صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار { له خوار } وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها. وقال

هذآ إلهكم وإله موسى فنسي

[طه: 88] موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟!! ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها { ألم يروا أنه لا يكلمهم } أي: وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم { ولا يهديهم سبيلا } أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: { اتخذوه وكانوا ظالمين } حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام الله، فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية. { ولما } رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و { سقط في أيديهم } أي: من الهم والندم على فعلهم، { ورأوا أنهم قد ضلوا } فتنصلوا، إلى الله وتضرعوا و { قالوا لئن لم يرحمنا ربنا } فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال، { ويغفر لنا } ما صدر منا من عبادة العجل { لنكونن من الخاسرين } الذين خسروا الدنيا والآخرة. { ولما رجع موسى إلى قومه غضبن أسفا } أي: ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، { قال بئسما خلفتموني من بعدي } أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي. { أعجلتم أمر ربكم } حيث وعدكم بإنزال الكتاب. فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة { وألقى الألواح } أي: رماها من الغضب { وأخذ برأس أخيه } هارون ولحيته { يجره إليه } وقال له:

ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري

[طه: 92-93] لك بقولي:

اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين

[الأعراف: 142] ف

قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآءيل ولم ترقب قولي

[طه: 94] و { قال } هنا { ابن أم } هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: { إن القوم استضعفوني } أي: احتقروني حين قلت لهم:

يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري

[طه: 90] { وكادوا يقتلونني } أي: فلا تظن بي تقصيرا { فلا تشمت بي الأعدآء } بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا علي عثرة، أو يطلعوا لي على زلة { ولا تجعلني مع القوم الظلمين } فتعاملني معاملتهم. فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير، و { قال رب اغفر لي ولأخي } هارون { وأدخلنا في رحمتك } أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب، فإنها حصن حصين من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور. { وأنت أرحم الراحمين } أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا، قال الله تعالى مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه: { إن الذين اتخذوا العجل } أي: إلها { سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا } كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره. { وكذلك نجزي المفترين } فكل مفتر على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا، وقد نالهم غضب الله، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأنه لا يرضى الله عنهم إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى، ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم، فقال: { والذين عملوا السيئات } من شرك وكبائر، وصغائر { ثم تابوا من بعدها } بأن ندموا على ما مضى وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا { وآمنوا } بالله وبما أوجب الله من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان { إن ربك من بعدها } أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، { لغفور } يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض { رحيم } بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها. { ولما سكت عن موسى الغضب } أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، ف { أخذ الألواح } التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة { وفي نسختها } أي: مشتملة ومتضمنة { هدى ورحمة } أي: فيها الهدى من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] { لربهم يرهبون } أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف الله ولا المقام بين يديه، فإنه لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا، وتقوم عليه حجة الله فيها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية