تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة الأعراف: الآيات 103-171
{ و } لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم { اختار موسى } منهم { سبعين رجلا } من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم الله ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى،
أرنا الله جهرة
[النساء: 153] فتجرؤوا على الله جراءة كبيرة، وأساؤوا الأدب معه، ف { أخذتهم الرجفة } فصعقوا وهلكوا. فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله ويتبتل ويقول: { رب لو شئت أهلكتهم من قبل } أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم، فصاروا هم الظالمين { أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ } أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى الله واعتذر بأن المتجرئين على الله ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا. فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم. وقال موسى في تمام دعائه { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح. { وفي الآخرة } حسنة وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب. { إنا هدنآ إليك } أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا { قال } الله تعالى: { عذابي أصيب به من أشآء } ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، { ورحمتي وسعت كل شيء } من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: { فسأكتبها للذين يتقون } المعاصي، صغارها وكبارها. { ويؤتون الزكاة } الواجبة مستحقيها { والذين هم بآياتنا يؤمنون } ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه. { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم. والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب.
{ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه وينهى عنه. وأنه { يأمرهم بالمعروف } وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه. { وينهاهم عن المنكر } وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك. فأعظم دليل يدل على أنه رسول الله، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه { يحل لهم الطيبات } من المطاعم والمشارب، والمناكح. { ويحرم عليهم الخبآئث } من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال. { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال. { فالذين آمنوا به وعزروه } أي: عظموه وبجلوه { ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه } وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، { أولئك هم المفلحون } الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح. وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون. ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال: { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم. { الذي له ملك السموت والأرض } يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذركم من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته. { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، { يحيي ويميت } أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم قطعا. { فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي } إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح { الذي يؤمن بالله وكلماته } أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، { واتبعوه لعلكم تهتدون } في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا.
{ ومن قوم موسى أمة } أي: جماعة { يهدون بالحق وبه يعدلون } أي: يهدون به الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدلون به بينهم في الحكم بينهم، بقضاياهم، كما قال تعالى:
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون
[السجدة: 42] وفي هذا فضيلة لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأن الله تعالى جعل منهم هداة يهدون بأمره. وكأن الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوع احتراز مما تقدم، فإنه تعالى ذكر فيما تقدم جملة من معايب بني إسرائيل، المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهم متوهم أن هذا يعم جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية. { وقطعناهم } أي: قسمناهم { اثنتي عشرة أسباطا أمما } أي: اثنتي عشرة قبيلة متعارفة متوالفة، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة. { وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه } أي: طلبوا منه أن يدعو الله تعالى، أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنهم - والله أعلم - في محل قليل الماء. فأوحى الله لموسى إجابة لطلبتهم { أن اضرب بعصاك الحجر } يحتمل أنه حجر معين، ويحتمل أنه اسم جنس، يشمل أي حجر كان، فضربه { فانبجست } أي: انفجرت من ذلك الحجر { اثنتا عشرة عينا } جارية سارحة. { قد علم كل أناس مشربهم } أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكل منهم عينا، فعلموها، واطمأنوا، واستراحوا من التعب والمزاحمة، والمخاصمة، وهذا من تمام نعمة الله عليهم. { وظللنا عليهم الغمام } فكان يسترهم من حر الشمس { وأنزلنا عليهم المن } وهو الحلوى، { والسلوى } وهو لحم طير من أنواع الطيور وألذها، فجمع الله لهم بين الظلال، والشراب، والطعام الطيب، من الحلوى واللحوم، على وجه الراحة والطمأنينة. وقيل لهم: { كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا } حين لم يشكروا الله، ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم. { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث فوتوها كل خير، وعرضوها للشر والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه. { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية } أي: ادخلوها لتكون وطنا لكم ومسكنا، وهي " إيلياء " { وكلوا منها حيث شئتم } أي: قرية كانت كثيرة الأشجار، غزيرة الثمار، رغيدة العيش، فلذلك أمرهم الله أن يأكلوا منها حيث شاؤوا. { وقولوا } حين تدخلون الباب: { حطة } أي: احطط عنا خطايانا، واعف عنا. { وادخلوا الباب سجدا } أي: خاضعين لربكم مستكينين لعزته، شاكرين لنعمته، فأمرهم بالخضوع وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال: { نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين } من خير الدنيا والآخرة، فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهي، بل { فبدل الذين ظلموا منهم } أي: عصوا الله واستهانوا بأمره { قولا غير الذي قيل لهم } فقالوا بدل طلب المغفرة، وقولهم: { حطة } ، حبة في شعيرة، وإذا بدلوا القول - مع يسره وسهولته - فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا وهم يزحفون على أستاههم.
