تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة يوسف: الآيات 93-98
أي: قال يوسف عليه السلام لإخوته: { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } لأن كل داء يداوى بضده، فهذا القميص - لما كان فيه أثر ريح يوسف، الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم - أراد أن يشمه، فترجع إليه روحه، وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، ولله في ذلك حكم وأسرار، لا يطلع عليها العباد، وقد اطلع يوسف من ذلك على هذا الأمر. { وأتوني بأهلكم أجمعين } أي: أولادكم وعشيرتكم وتوابعكم كلهم، ليحصل تمام اللقاء، ويزول عنكم نكد المعيشة، وضنك الرزق. { ولما فصلت العير } عن أرض مصر مقبلة إلى أرض فلسطين، شم يعقوب ريح القميص، فقال: { إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } أي: تسخرون مني، وتزعمون أن هذا الكلام صدر مني من غير شعور، لأنه رأى منهم من التعجب من حاله ما أوجب له هذا القول، فوقع ما ظنه بهم فقالوا: { تالله إنك لفي ضلالك القديم } أي: لا تزال تائها في بحر الحب لا تدري ما تقول. { فلمآ أن جآء البشير } بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته وأبيهم، { ألقاه } أي: القميص { على وجهه فارتد بصيرا } أي: رجع على حاله الأولى بصيرا، بعد أن ابيضت عيناه من الحزن، فقال لمن حضره من أولاده وأهله الذين كانوا يفندون رأيه، ويتعجبون منه منتصرا عليهم، متبجحا بنعمة الله عليه: { ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون } حيث كنت مترجيا للقاء يوسف، مترقبا لزوال الهم والغم والحزن. فأقروا بذنبهم ونجعوا بذلك و { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين } حيث فعلنا معك ما فعلنا. ف { قال } مجيبا لطلبتهم، ومسرعا لإجابتهم: { سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } أي: ورجائي به أن يغفر لكم ويرحمكم، ويتغمدكم برحمته، وقد قيل: إنه أخر الاستغفار لهم إلى وقت السحر الفاضل، ليكون أتم للاستغفار، وأقرب للإجابة.
