تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة يوسف: الآيات 99-100
أي: { فلما } تجهز يعقوب وأولاده وأهلهم أجمعون، وارتحلوا من بلادهم قاصدين الوصول إلى يوسف في مصر وسكناها، فلما وصلوا إليه، و { دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه } أي: ضمهما إليه، واختصهما بقربه، وأبدى لهما من البر والإكرام والتبجيل والإعظام شيئا عظيما، { وقال } لجميع أهله: { ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين } من جميع المكاره والمخاوف، فدخلوا في هذه الحال السارة، وزال عنهم النصب ونكد المعيشة، وحصل السرور والبهجة. { ورفع أبويه على العرش } أي: على سرير الملك، ومجلس العزيز، { وخروا له سجدا } أي: أبوه، وأمه وإخوته، سجودا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام، { وقال } لما رأى هذه الحال، ورأى سجودهم له: { يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل } حين رأي أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين، فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت { قد جعلها ربي حقا } فلم يجعلها أضغاث أحلام. { وقد أحسن بي } إحسانا جسيما { إذ أخرجني من السجن وجآء بكم من البدو } وهذا من لطفه وحسن خطابه عليه السلام، حيث ذكر حاله في السجن، ولم يذكر حاله في الجب، لتمام عفوه عن إخوته، وأنه لا يذكر ذلك الذنب، وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله إلي. فلم يقل: جاء بكم من الجوع والنصب، ولا قال: " أحسن بكم " بل قال { أحسن بي } جعل الإحسان عائدا إليه، فتبارك من يختص برحمته من يشاء من عباده، ويهب لهم من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } فلم يقل " نزغ الشيطان إخوتي " بل كأن الذنب والجهل صدر من الطرفين، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودحره، وجمعنا بعد تلك الفرقة الشاقة. { إن ربي لطيف لما يشآء } يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، { إنه هو العليم } الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، { الحكيم } في وضعه الأشياء مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها.
