كيف نُؤمِن بعذاب القبر مع عدم إدراكنا له بحواسِّنا؟
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
مقدمة:
إن الإيمان بعذاب القبر من أصول أهل السنة والجماعة، وقد خالفهم في ذلك من خالفهم من الخوارج والقدرية، ومن ينكر الشرائع والمعاد من الفلاسفة والملاحدة.
وجاءت في الدلالة على ذلك آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 46].
وقد تواترت الأحاديث بذلك تواترًا معنويًّا، وممن أفردها بالتصنيف: الإمام أبو بكر البيهقي في جزء صغير سمّاه (إثبات عذاب القبر).
قال الإمام ابن رجب: (فإن حياة البرزخ ليسَت حياةً تامَّةً مُستقِلَّةً كحياة الدُّنيا، وكالحياة الآخرة بعد البعث، وإنَّما فيها نوعُ اتصالِ البدن بالرُّوح، بحيث يحصُل بذلِكَ شُعور البَدَن، وإحساسٌ بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليس هُو حياةً تامَّةً حتى يكون انفصال الروح به موتا تامًّا، وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ورجوعها إليه فإن ذلك يسمى موتًا وحياة.
كما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ: « الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور » ، وسماه الله تعالى وفاة لقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى} الآية [الزمر: 42].
ومع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حيا، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حيًّا حياةً مُطلَقة) ( [1] ) .
ومن هذا المنطلق جاء مقال مركز سلف ليسلط الضوء على مسألة عذاب القبر وبيان موقف أهل السنة منها
مركز سلف للبحوث والدراسات
ومن اعتراضات الملاحدة على عذاب القبر أنهم قالوا: إنَّنا نكشِفُ القبر ولا نجِد فيه ملائكةً يَضرِبون الموتى بمَطارِق الحديد، ولا نجِد ثَمَّ حيَّات وثعابين ونيران.
وكيف يُفسَح للميِّت مدَّ بَصَره أو يُضيَّق عليه ونحن نجِده بحاله ومساحَتُه على حالها؟!
وكيف يَتَّسِع ذلك اللحدُ الضيِّق له ولمَن يؤنِسُه أو يوحِشُه ونحن نرى المصلوب على الخَشَبة مُدةً طويلةً، لا يُسأل ولا يُجيب ولا يتحرَّك، ولا يتوقَّد جسمُه نارًا؟! ومَنِ افترسته السباعُ، ونهشتُه الطير، وتفرَّقت أجزاؤه في حواصل الطيور وأجواف السِّباع وبُطون الحيَّات ومدارج الرياح، فكيف يُسألُ؟! وكيف يَصير القبرُ على هذا رَوْضة أو حُفرة؟! وكيف يتَّسِع قبرهُ أو يَضيق؟!
والجواب عن هذه الأسئلة في ما يأتي ( [2] ) :
1- الإيمان بعذاب القبر هو منَ الإيمان بالغيب، والإيمان الغيب هو الذي يَمتاز به المؤمنون عن غيرهم:
وقد أحسن الإمام القرطبي حيث يقول: (الذي جاء بهذا هم الذين جاؤوا بالصلوات الخمس، وليس لنا طريق إلا ما نقلوه لنا من ذلك) ( [3] ) .
وقد ذكر الإمام ابن القيم في هذا الموضع ما مُلخَّصُه أن الله سبحانه جعَل أمرَ الآخِرةِ، وما كان مُتصلًا بها غَيبًا، وحجَبها عن إدراك المُكلَّفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمتِه، وليتميَّز المؤمنون بالغَيبِ من غيرهم.
فأول ذلك أنَّ الملائكة تنزِلُ على المُحتَضَرِ، وتَجلسُ قريبًا منه ويُشاهِدهم عِيانًا، ويتحدَّثون عندَه ومعهمُ الأكفانُ والحَنوطُ، إما منَ الجَنَّة، وإما منَ النارِ، ويؤمِّنون على دُعاءِ الحاضرين بالخيرِ والشرِّ، وقد يُسلِّمون على المُحتَضَر، ويرُدُّ عليهمُ السلامَ تارةً بلفظهِ، وتارةً بإشارة، وتارةً بقَلبه إذا لم يتمكَّنْ من نُطقِ وإشارةٍ.
ويَكْفي في ذلك قولُه تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 83-85].
ثم يمُدُّ الملَكُ يدَه إلى الروح، فيقبضُها، ويخاطبها. والحاضرون لا يرونه، ولا يسمعونه. ثم تخرج، فيخرج لها نور مثلُ شعاع الشمس، ورائحةٌ أطيب من رائحة المسك. والحاضرون لا يرون ذلك، ولا يشمُّونه. ثم تصعد بين سِماطَين من الملائكة، والحاضرون لا يرونهم. ثم تأتي الروح فتشاهِد غسلَ البدن وتكفينَه وحملَه، وتقول: قدِّموني قدِّموني، أو: إلى أين تذهبون بي؟! ولا يسمع الناس ذلك.
فإذا وُضِع في لحده وسُوِّي عليه التراب لم يحجب الترابُ الملائكة عن الوصول إليه، بل لو نُقِر له حجرٌ فأودع فيه وخُتِم عليه بالرصاص لم يمنع وصولَ الملك إليه، فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تَمنَعُ خرق الأرواح لها، بل الجنُّ لا يمنعها ذلك، بل قد جعل الله سبحانه الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير. واتساعُ القبر وانفساحُه للروح بالذات، والبدنِ تَبَعًا، فيكون البدن في لحدٍ أضيقَ من ذراع، وقد فُسِح له مَدَّ بصره تبعًا لروحه.
أمَّا ما كان من أمر الآخِرة فقد أُسبِلَ عليه الغطاءُ، ليكونَ الإقرار والإيمانُ به سببًا لسعادتهم، فإذا كُشِف عنهمُ الغطاءُ صار عيانًا مُشاهدًا ( [4] ) .
ومع ذلك فنقول: إنَّه لا يمتَنِع أنْ يُطلِع الله تعالى بعضَ عباده على شيء من أحوال المَوتى في قُبورهم، من نَعيم أو عذاب، ويكون ذلك شَهادةً بالنسبة لهم، غيبًا بالنسبة لغيرهم، وقد ورَدَت في ذلك قصصٌ كثيرةٌ ينقُلها العلماءُ، ويذكُرونها في كُتُبهم.
وقد ذكر ابن القيم بعض تلك القصص ثم قال: (وهذه الأخبار وأضعافُها وأضعاف أضعافِها -مما لا يتَّسع لها الكتاب- مما أراه الله سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عِيَانًا) ( [5] ) . وأرود ابن رجب في كتابه (أهوال القبور) جملةً صالحةً منها، واستفاد من شيخ ابن القيم في ذلك، وصرح بالنقل عنه في بعضها.
2- في الدُّنيا منَ المُشاهَدات التي رآها المؤمنون ما هو من جِنس ما يَستَنكِره نُفاةُ عذاب القبر:
فهذا جِبريلُ عليه السلام كان ينزِل على النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويتمثَّلُ له رجُلًا، فيُكلِّمه بكلام يَسمَعه، ومَن إلى جانب النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يَراه، وكذلك غيرُه منَ الأنبياء، وأحيانًا يأتيه الوَحيُ مثلَ صَلصَلة الجَرَس، ولا يَسمَعه غيرُه منَ الحاضرين.
وهؤلاء الجنُّ يتحدَّثون، ويتكلَّمون بالأصوات المرتفعة بيننا، ونحن لا نسمَعُهم.