كيف نُؤمِن بعذاب القبر مع عدم إدراكنا له بحواسِّنا؟
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
وقد كانتِ الملائكة تضرِب الكفار بالسياط، وتَضرِبُ رقابَهم، وتَصيح بهم، والمُسلمون معهم لا يرَوْنَهم، ولا يَسمَعون كلامهم.
والله سبحانه قد حجَب ابنَ آدمَ عن كثير ممَّا يحدُث في الأرض، وهو بينهم.
وقد كان جبريل يُقرئ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويُدارِسه القرآن، والحاضرون لا يَسمَعونه.
وقد ذكر هذا الوجه في الجواب عن هذه الشبهة القاضي أبو بكر ابن الباقلاني كما نقله عنه القرطبي وابن القيم ( [6] ) .
قال ابن القيم: (وقدرة الربِّ تعالى أوسع وأعجب من ذلك. وقد أرانا من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجبُ من ذلك بكثير، ولكنَّ النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تُحِط به علمًا، إلا من وفَّقه الله وعصمه) ( [7] ) .
ومن الأمثلة الواضحة التي نعايشها يوميًّا لعذاب وألم لا نحس بهما: ما يحس به النائم من عذاب وألم.
يقول ابن القيم: (وقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجًا في الدنيا من حال النائم، فإنَّ ما يُنَعَّم به أو يُعذَّب في نومه يجري على روحه أصلًا، والبدنُ تبع له؛ وقد يقوى حتى يؤثرَ في البدن تأثيرًا مشاهَدًا، فيَرى النائم في نومه أنه ضُرِب، فيُصبح، وأثرُ الضرب في جسمه. ويرى أنه قد أكل أو شرب، فيستيقظ، وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ.
وأعجبُ من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه، ويضربُ، ويبطِش، ويدافع، كأنه يقظانُ، وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك. وذلك أنَّ الحكمَ لمَّا جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحسَّ.
فإذا كانت الروح تتألَّم وتنعَم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ، بل أعظم، فإنَّ تجرُّدَ الروح هناك أكملُ وأقوى وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كلَّ الانقطاع. فإذا كان يومُ حشر الأجساد وقيامِ الناس من قبورهم، صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرًا باديًا أصلًا.
ومتى أعطيتَ هذا الموضع حقَّه تبيَّن لك أنّ ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر ونعيمه، وضيقه وسعته، وضمِّه، وكونه حفرةً من حفر النار، أو روضةً من رياض الجنة مطابقٌ للعقل، وأنَّه حقٌّ لا مِريَة فيه، وأنَّ مَن أشكَلَ عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أُتيَ، كما قي:
وكم مِن عائبٍ قولًا صحيحًا … وآفَتُه من الفهمِ السَّقيمِ
وأعجبُ من ذلك أنك تجد النائمَين في فراش واحد، وهذا روحُه في النعيم، ويستيقظ وأثرُ النعيم على بدنه. وهذا روحُه في العذاب، ويستيقظ وأثرُ العذاب على بدنه. وليس عند أحدهما خبرٌ بما عند الآخر. فأمرُ البرزخ أعجبُ من ذلك) ( [8] ) .
3- ليس في أحوال الموتى التي أخبَر بها الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما هو مُحالٌ عقلًا، وإن كانت العقول تحار فيه أو تستبعده، فالرسل عليهم الصلاة والسلام يأتون بمحارات العقول لا محالات العقول:
إن جميعَ ما يَعتَرِض به المُعتَرِضون على عذاب القبر لم يَأْتوا له بأدلة عقليَّة قاطعة، وليس معهم إلا مجرد الاستبعاد، وقد قال أبو حامد الغزالي: (ما لا برهان على إحالته لا ينبغي أن يُنكَر بمُجرَّدِ الاستبعادِ) ( [9] ) .
يقول ابن القيم: (الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- لم يخبروا بما تُحيله العقول وتقطع باستحالته، بل أخبارهم قسمان:
أحدهما: ما تشهد به العقول والفِطَر.
الثاني: ما لا تدركه العقول بمجرَّدها، كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب ولا يكون خبرهم مُحالًا في العقول أصلًا.
وكلُّ خبر يُظَنُّ أنَّ العقل يُحيله فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الخبر كذبًا عليهم، أو يكون ذلك العقلُ فاسدًا. وهو شبهة خيالية يظنُّ صاحبُها أنَّها معقول صريح. قال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6]، وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: 19]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد: 36]. والنفوس لا تفرح بالمحال.
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 57، 58]. والمحال لا يَشفي، ولا يحصل به هدًى ولا رحمةٌ، ولا يُفرَح به.
فهذا أمرُ مَن لم يستقرَّ في قلبه خيرٌ، ولم يثبُتْ له على الإسلام قدمٌ، وكان أحسن أحواله الحيرة والشكّ) ( [10] ) .
فإذا عُلم ذلك فإنه لا يَلزَم من شيء ممَّا ذَكَروه منِ استبعادات انتفاءُ عذاب القبر، إذ لا يُستَبْعد مع إثباتِ قُدرة الله تعالى شيءٌ مما ذكروه من استبعاداتٍ، فقدرةُ الله تعالى تتعلق بكل مُمكنٍ جائزٍ.
قال أبو عبد الله القرطبي: (إنا نؤمن بما ذكرناه، ولله أن يفعل ما يشاء من عقابٍ ونعيم، ويصرف أبصارنا عن جميع ذلك بل يُغيِّبُه عنا.
فلا يبعد في قدرة الله تعالى فعلُ ذلكَ كُلِّه، إذ هو قادرٌ على كل ممكن جائز، فإنَّا نحن لو شئنا لأزلنا الزئبق عن عينيه، ثم نُضجعه، ونردُّ الزئبق مكانه، وكذلك يُمكننا أن نُعمِّق القبر ونوسعه حتى يقوم فيه قيامًا فضلًا عن القعود، وكذلك يمكننا أن نُوسِّع القبر ذراعًا فضلًا عن سبعين ذراعًا، والربُّ سبحانه أبسطُ مِنَّا قُدرة، وأقوى منا قُوَّة، وأسرعُ فعلًا، وأحصى منا حسابًا، {إِنَّمَا أَمْرُهُۥٓ إِذَا أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]، ولا رَبَّ لمن يَدَّعي الإسلامَ إلا مَن هذه صفته، فإذا كشفنا نحن عن ذلك ردَّ الله سبحانه الأمر على ما كانَ) ( [11] ) .
وأما عدم استحالة الصورة التي ورد ذكرها في السؤال: