شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قواعد علمية للتعامل مع قضية الإمام أبي حنيفة رحمه الله

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

من القضايا التي عملت على إثراء التراث الفقهي الإسلامي: قضية الخلاف بين مدرسة أهل الرأي وأهل الحديث، وهذا وإن كان يُرى من جانبه الإيجابي، إلا أنه تمخَّض عن جوانب سلبية أيضًا، فاحتدام الصراع بين الفريقين مع ما كان يرجّحه أبو حنيفة من مذهب الإرجاء نتج عنه روايات كثيرة تتضمّن قدح أهل الحديث في أبي حنيفة النعمان، وأصبحت تلك الروايات منثورة في بعض كتب التراث؛ ككتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، والضعفاء للعقيلي، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، مما شكَّل إشكالية حادّة في التكوين العلمي المعاصر-لا سيما عند الناشئة- ولا يُغنيهم ثناء المتأخرين على أبي حنيفة، حتى ثناء شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه؛ لأن القضية تحوي مفاضلة بين المتقدمين في مواجهة كلام المتأخرين. ولا شك أن طالب العلم -لا سيما وإن كان شابًّا صغيرًا ليس لديه أدوات علمية- إذا ما خُيّر بين متقدم ومتأخر، سيختار المتقدم؛ بدعوى اتباع السلف الصالح.

أما إذا كان طالب العلم يمتك الأدوات العلمية، ويعرف تاريخ نشأة المذاهب الفقهية، وفهم المباني والأصول التي نشأت عنها مقالة القدح في أبي حنيفة، وقرأها في سياقها التاريخي الصحيح؛ عرف سبب تنكّب المتأخرين أقوال النقاد الأوائل في أبي حنيفة وعلى رأسهم: ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن رجب، والذهبي، وابن حجر، وغيرهم كثير.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي يسعى مركز سلف للبحوث والدراسات من خلالها إلى إلقاء الضوء على جذور المسألة.

مركز سلف للبحوث والدراسات

وقد ضلَّت في أبي حنيفة ثلاث طوائف:

1- طائفة جمدت على ظواهر أقوال النقاد من غير فقهٍ ولا أهلية ولا معرفةٍ لِكُنه الخلاف، وتخيّلت مجتمع أهلِ الحديث مجتمعًا مجرّدًا من الانفعالات النفسية والأمزجة البشرية، وجعلوا نصوصهم من جنس نصوص الوحي الذي يُحتجّ به. وهؤلاء هم المستهدفون من هذه الورقة العلمية.

2- وطائفة ثانية: انساقت مع العواطف وكذّبت الروايات، أو استبعدت صدور كثيرٍ مما قيل في أبي حنيفة عن نقاد أهل الحديث، أو تعسّفت في تأويله، وجعلت أبا حنيفة من أعظم حفاظ الحديث، وعاشت في طوباوية وهمية.

3- وطائفة ثالثة: تورطت في القراءات المذهبية البغيضة، فنسبوا أهل الحديث إلى الحسد، وشكّوا بنزاهة النقاد، وقدحوا في عدالتهم، وأهدروا مواضع الصواب في أقوالهم، كمتعصِّبي الحنفية أمثال الكوثري ومن لفّ لفيفه.

وبسبب الخلط في هذه المسألة كتبت قواعد عامة ينضبط بها هذا الباب، وتنحلّ بها عرى إشكالاته إن شاء الله:

القاعدة الأولى: الذم قد يُراد به المبالغة والزجر لا مطلق الذم:

طريقة أهل الحديث غالبًا هي المبالغة في الزجر من أجل الحفاظ على بيضة الإسلام والشريعة، ولا يريدون من ذلك الذم المطلق بحيث يُجرِّدون المنتقد من أي فضيلة.

يقول العلامة المعلمي مُبيِّنا طريقة أهل الحديث في المبالغة: “كان مِن أهل العلم والفَضل مَن إذا رأى جَماعةً اتَّبَعوا بَعض الأفاضل في أمر يَرى أنَّه لَيس لهم اتِّباعه فيه -إمّا لأنّ حالَهم غير حاله، وإمَّا لأنه يَراه أخطأ- أَطلَق كلماتٍ يَظهر مِنها الغَضُّ مِن ذاك الفاضل، لكَي يَكُفَّ الناسُ عن الغُلوِّ فيه الحاملِ لَهم على اتِّبَاعه فيما لَيس لَهم أَن يَتَّبِعوه فيه… -إلى أن قال:- ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي يخالف فيها مالكا من إطلاق كلمات فيها غضّ من مالك، مع ما عرف عن الشافعي من تبجيل أستاذه مالك، وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال: «مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين».. ومنه ما نراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عرف عن مسلم تبجيله للبخاري. وأنت إذا تدبرت تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة، وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد” ( [1] ) .

ومن القرائن التي تدل على أن ذم أهل الحديث يُراد به أحيانًا الزجر والشدة لا التجريح الكامل، ما يلي:

أولًا : أقوال بعض النقاد:

من ذلك: قول يحيى بن سعيد القطان: “لا نكذب الله، ربما رأينا الشيء من رأي أبي حنيفة فاستحسنَّاه فقلنا به” ( [2] ) .

وهو أثرٌ صحيح، ويدل على أنهم قد يأخذون برأي أبي حنيفة فيما استحسنوه من رأيه وقياسه، أو فيما استُغلق عليهم من مسائل الفقه، وبعيدٌ جدًّا أن تُقال هذه الكلمة فيمن هو مثل بشر المريسي وابن الثلجي وأضرابهما، فأهل الحديث يعتبرونهم ممن لا يؤخذ منهم شيء من العلم.

وقال محمد بن سعد العَوْفي سمعت ابنَ معين يقول: “كان أبو حنيفة ثقةً، لا يُحدِّث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يُحدِّث بما لا يحفظ” ( [3] ) .

وقال صالح بن محمد الأسدي عن ابن معين: “كان أبو حنيفة ثقةً في الحديث” ( [4] ) .

وقال ابن عبد البر: قال عبد الله بن أحمد الدَّورقي: سئل يحيى بن مَعين -وأنا أسمع- عن أبي حنيفة، فقال ابنُ مَعين: “هو ثقةٌ، ما سمعتُ أحدًا ضعَّفه. هذا شعبةُ بن الحجاج يكتب إليه أن يُحدِّث، ويأمُرُه. وشعبةُ شعبة” ( [5] ) .

وقال الإمام علي ابن المديني: “أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن المبارك، وهو ثقة لا بأس به” ( [6] ) . وابن المديني معروف عنه أنه لا يحابي أحدًا. كيف وهو الذي قال عن أبيه: ضعيف؟!

ثانيًا : طريقة الدارمي فيما ينقله المعارض عن أبي حنيفة:

فالمعارض الجهمي أكثر من النقل عن أبي حنيفة وبشر المريسي وابن الثلجي، فكتب عثمان بن سعيد الدارمي كتابه المشهور (رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد)، ولم يتعرض لأبي حنيفة بالتجريح والثلب بقدر ما تعرض للمريسي وابن الثلجي، بل كان يُشكِّك كثيرًا فيما ينقله المعارض عن أبي حنيفة، ويُنزِّهه عن هذه الترهات، مما يدل أن أبا حنيفة عند الدارمي ليس بمنزلة المريسي وابن الثلجي.

الصفحة التالية