قواعد علمية للتعامل مع قضية الإمام أبي حنيفة رحمه الله
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
ومن ذلك: قول الدارمي في الرد على المريسي: “ويحك! إن الناس لم يرضوا من أبي حنيفة إذ أفتى بخلاف روايات رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا، وفي الوضوء من لحوم الإبل، وإشعار البدن، وفي إسهام الفارس والراجل، وفي لبس المحرم الخفين إذا لم يجد النعلين، وما أشبهها من الأحاديث حتى نسبوا أبا حنيفة فيها إلى رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وناقضوه فيها، ووضعوا عليه فيها الكتب. فكيف بمن ناصب الله في صفاته التي ينطق بنصها كتابه، فينقضها على الله صفة بعد صفة، وشيئا بعد شيء، بعمايات من الحجج وخرافات من الكلام خلاف ما عنى الله، ولم يأت بشيء منها الروايات، ولم يوجد شيء منها عن العلماء الثقات، بل كلها ضحك وخرافات؟! فإن كان أبو حنيفة استحق بما أفتى من خلاف تلك الروايات أن ينسب إلى رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ استحققتم أنتم أن تنسبوا إلى رد ما أنزل الله عز وجل، بل أنتم أولى بالرد من أبي حنيفة؛ لأن أبا حنيفة قد وافقه على بعض فتياه بعض الفقهاء، ولم يتابعكم على مذاهبكم إلا السفهاء وأهل البدع والأهواء، ومن لا يعرف له إلها في السماء، فشتان ما بينكم وبين أبي حنيفة فيما أفتى؛ لأنه ليس من كفر كمن أخطأ، ولا هما في الإثم والعار سواء “ ( [7] ) .
ومن أمثلة تشكيك الدارمي فيما ينقله الجهمي عن أبي حنيفة: قوله: “وأعجب من ذلك ما رويت عن أبي حنيفة -إن صدقت عنه روايتك- أنه ذهب في الرؤية إلى أن يروا لآياته وأفعاله وأموره، فيجوز أن يقال: رآه، وهذا أيضا من حجج الصبيان، لما أن آياته وأموره وأفعاله مرئية منظور إليها في الدنيا كل يوم وساعة، فما معنى توقيتها وتحديدها وتفسيرها يوم القيامة؟! من أنكر هذا فقد جهل، إن كان كما ادعيت، ورويتُ عن أبي حنيفة ما خص النبي صلى الله عليه وسلم بها يوم القيامة دون الأيام” ( [8] ) .
فشكّك الدارمي في النقل عن أبي حنيفة بقوله: (إن صدقت عنه روايتك)، وقوله: (إن كان كما ادعيت)، ثم روى عن أبي حنيفة ما يخالف ما رواه المعارض.
وقال الدارمي أيضًا: “العجب من جاهل فسر له رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسير الرؤية مشروحا مخلصا ثم يقول: إن كان كما فسر أبو حنيفة فقد آمنا بالله، ولو قلت أيها المعارض: آمنا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسره كان أولى بك من أن تقول: آمنا بما فسر أبو حنيفة ولا تدري قال ذلك أبو حنيفة أو لم يقله “ ( [9] ) .
وفي الجملة، فالكتاب على كثرة احتجاج المعارض بأبي حنيفة، إلا أن الدارمي كان يُشكِّك دائمًا في المنقول عنه، ويتجنب التجريح الصريح، بل كان يتجنب ذكره بسوءٍ، على العكس من المريسي الذي لا يترك له الدارمي شاردة ولا واردة إلا وحط عليه.
ثالثًا: رجوع أهل الحديث إلى فقه أبي حنيفة:
كان أهل الحديث يحكمون بالأثر، ومعلوم أن الحديث والأثر وحده لا يفي بمسائل الفقه، فكانت قضايا الفقه العالي والأقضية التي تتطلب القياس وإعمال قواعد أصول الفقه في أيدي أبي حنيفة وأصحابه، ويُرجع إليها في قضاء الدولة، فإذا استغلقت مسائل على أهل الحديث اضطروا إلى الرجوع إلى كتب أبي حنيفة وأصحابه وأفتوا بها؛ ولذلك قال أحمد بن حنبل: “كانت أقضيتنا -أصحابَ الحديث- في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تُنزع، حتى رأينا الشافعي” ( [10] ) .
وتقدّم قول يحيى بن سعيد القطان: “لا نكذب الله، ربما رأينا الشيء من رأي أبي حنيفة فاستحسنَّاه فقلنا به” ( [11] ) .
وظل يحيى بن معين يحمل هذا الجميل لأبي حنيفة بنسبة معينة، ولذلك لم ينجرف مع من انجرف من أهل الحديث في التجريح المطلق له، بل كان يرى أن له حسنات وعليه مؤاخذات، ولهذا كان يقول يحيى بن معين: “أصحابنا -أي: أهل الحديث- يُفْرِطون في أبي حنيفة وأصحابه” ( [12] ) .
قال ابن الجنيد في سؤالاته: قلت ليحيى بن معين: ترى أن ينظر الرجل في شيء من الرأي؟ فقال: أي رأي؟ قلت: رأي الشافعي وأبي حنيفة؟ فقال: ما أرى لمسلم أن ينظر في رأي الشافعي، ينظر في رأي أبي حنيفة أحب إلي من أن ينظر في رأي الشافعي ( [13] ) .
وقد فهم بعض المعاصرين من ذلك أن يحيى بن معين كان حنفيًّا، ولذلك فضَّل فقه أبي حنيفة على فقه الشافعي، وهذا فيه نظر، فلم يكن ابن معين مقلِّدًا لأحد من الأئمة، فضلًا عن أن ابن معين كان يذمّ أصحاب الرأي عمومًا.
وإنما كان يرى ابن معين أن الشافعي أدخل الرأي على أصحاب الحديث، وهو ما يراه أمرًا مذمومًا، ومن جهةٍ أخرى ما صنعه الشافعي في أصول الفقه والقياس، فإنما هو مستفادٌ أصالةً من أبي حنيفة وأصحابه، وقام الشافعي بتهذيبه بما يوافق منهج أهل الحديث.
ولذلك فضَّل ابن معين كتب أبي حنيفة على كتب الشافعي؛ لأنه هو الأصل الذي بنى عليه الشافعي، لا لكون ابن معين حنفيًّا، فرأى أن المُحدِّث إن كان ولا بد أن يرجع إلى شيءٍ من الرأي عند الضرورة فليصنع صنيع المحدثين الأوائل كيحيى بن سعيد القطان وغيره من الرجوع إلى أبي حنيفة عند الضرورة؛ لأنه صنعة أبي حنيفة لا صنعة المحدثين، ثم ليجتهد كما اجتهد الشافعي، ولا يرجع إلى الشافعي نفسه الذي قد استفاد من أبي حنيفة.
وهو اجتهاد من يحيى بن معين بسبب حجاب المُعاصرة، ولا يقلل من قيمة الإمام الشافعي في شيء.
القاعدة الثانية: مراعاة الخلاف بين المدارس الفقهية:
إن استحضار طبيعة الخلاف القائم بين أهل الرأي وأهل الحديث من العوامل الرئيسة التي توفر لطالب العلم كثيرًا في فهم المسألة وتخطيها بشكلٍ مُرض، وقد كان هناك خلاف بين مدارس أهل الحديث في تلك الأعصار كما بين مدرسة أهل الشام ومدرسة مكة، وكان بينهم كلام شديد، مثل قول ابن شهاب الزهري: “ما رأيت قوما أنقض لعرى الإسلام من أهل مكة” ( [14] ) ، وقال حماد: “لقيت عطاء وطاوسا ومجاهدًا فصبيانكم أعلم منهم، لا بل صبيان صبيانكم” ( [15] ) .