شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بين المعجزة والتكامل المعرفي.. الإيمان بالمعجزة وأثره على تكامل المعرفة الإنسانية

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

لقد جاء القرآن الكريم شاهدًا على صدق نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، بل وعلى صدق الأنبياء كلهم من قبله؛ مصدقًا لما معهم من الكتب، وشاهدا لما جاؤوا به من الآيات البينات والمعجزات الباهرات.

وهذا وجه من أوجه التكامل المعرفي الإسلامي؛ فالقرآن مادّة غزيرة للمصدر الخبري، وهو في ذات الوقت يرشدنا إلى فسح المجال لكل مصدر من المصادر المعرفية في مجاله، ويمتاز بكونه ينظر إلى المصادر المعرفية كلها (الخبر الصادق – العقل – الحسّ والتجربة) على أنها تمثل نوعًا من التكامل فيما بينها بما يحقّق الانسجام والتواؤم المعرفي التامّ، ويحقق للإنسان أعلى ما يمكن من المستويات المعرفية، ولا يصدّ ولا يغلق دونه أيّ باب من أبواب المصادر المعرفية، سواء بدعوى التعارض بين مصادرها أو غيرها من الدعاوى، فلا يمكن أن يتعارض الوحي الصحيح الثابت بما في العقل الصريح؛ لأن الدلائل القطعية لا تتعارض.

ولكن العجيب بعد هذا التكامل المعرفي أن يُرمى أهل الأديان عموما والدين الإسلامي خصوصا بتهمة الحجر على المنظومات المعرفية وإغلاق الأبواب دون مصادرها من عقل وحسّ، مع أنه أكثر وأدق المنظومات المعرفية مصادرَ سواء الخبر أو العقل أو الحس، فنجد من يقول بأن الإيمان بالمعجزات إغلاق لأبواب المعرفة العقلية أو الحسية وإفساحٌ للمجال أمام الخرافة والتكهنات والخيالات والجهل!

ومن هنا كانت هذه الورقة العلمية من مركز سلف للبحوث والدراسات لتجلية التكامل المعرفي في المنهج الإسلامي خصوصا، وعدم مناقضة الإيمان بالمعجزات لسائر المصادر المعرفية، وإنزال كل مصدر منها منزلته.

مركز سلف للبحوث والدراسات

قصة باحث عن النبوة الحقة:

بينما كان ملكٌ من ملوك الروم يتنعَّم بما أُوتي من نعيم سَمع بأن رجلًا من بائسي الحال في صحراء الجزيرة العربية القاحلة شديدة الحرارة صيفًا شديدة الحاجة إلى ما تزوده بها مدنه الشامية من غذاء ومتاع؛ سمع أن رجلًا من هؤلاء يزعم أنه مرسل من عند إله العرب والروم والفرس، بل وإله العالمين أجمعين.

لقد كان الملك يؤمن بالله، ويؤمن بما تواتر عن الأمم وأنبيائهم من الآيات الباهرات التي جاؤوا بها، بل كان يعرف أحوالهم وأوصافهم وما يدبِّر الإله الحق لرسله الصادقين كي تميِّز البشرية بينهم وبين المتنبئين الكاذبين؛ ولما كانت تلك الأدوات البحثية بيديه طفق يبحث جادًّا صادقا في بحثه مستخدما تلك الأدوات والأدلة البحثية.

لقد بدأ ملك الروم هرقل بحثه بالسؤال عن حال هذا الرجل ومقارنة حاله بما يعرف من أحوال الأنبياء الصادقين وصفاتهم؛ فجاء بمن كان في الشام من أقرب الناس إلى ذلك الرجل، فوجد ألدَّ أعدائه آنذاك وهو أبو سفيان، فجعل يسأله عن حال ذلك الرجل، وأعمل تلك الدلائل والأدوات البحثية التي تميز له النبيّ الصادق من غيره من المتنبئين الكذابين الأفاكين، فإنّ حال النبي لا يشتبه مع حال الكاذب، وكان مما سأله هرقل فيما حكى أبو سفيان: قال: كيف نسبه فيكم ؟ قلتُ: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال أبو سفيان: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة( [1] ).

وهنا أدرك الملك أنه نبيّ حقًّا ، واستدلّ هرقل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بمعرفة أحواله وأموره؛ لأن حال الأنبياء وأصولهم معروفة، ودلائل النبوة كثيرة متضافرة، لا تتوقف على نوع أو نوعين من الأدلة، وطرق معرفة النبوة ودلائلها كثيرة جدا؛ فإن التمييز بين النبي الصادق والمتنبئ الكاذب أسهل من التمييز بين الشاعر الصادق والكاذب من الناس، وقد بين هرقل ملك الروم هذا لأبي سفيان بما بقي بعده أسوة لكل باحث جادّ صادق عن النبوة الحقة الصادقة والنبي الصادق( [2] ).

النبوة خبر يعتمد على المصدر الخبري والتعامل معه كغيره من الأخبار:

النبوة: مصدر من التنبُّؤ وهو يرجع إلى الخبر، إذن النبوة خبرٌ من الأخبار.

ولئن كان الأمر كذلك فإننا اليوم وفي وقتنا الراهن نتلقى في اليوم الواحد -بل وفي الساعة الواحدة- عددا كثيفًا من الأخبار، فكيف يتعامل معها الإنسان؟ وكيف يتحقق من صحتها؟

إن مهارة فحص الخبر والتعامل معه وتمييز حقه من باطله من المهارات الحياتية الضرورية التي لا تخفى على الناس؛ فهم يميزون الصادق من الكاذب، ويسبرون الأخبار ويعرفون المبهرج المزيف منها من الحق الصادق مهما كان عظم ذلك الطلاء الذي غطي به البهرج، فهذه المهارة وهذه القضية بالنسبة للبشرية مهارة ضرورية لتستقيم أمورهم وتنضبط أعمالهم ومصالحهم في الحياة؛ وإلا فكيف يتعايش الناس ويتعاملون فيما بينهم إن كانوا لا يميزون بين الأمور الصادقة الحقيقية وبين القضايا المزيفة المكذوبة؟!

الصفحة التالية