بين المعجزة والتكامل المعرفي.. الإيمان بالمعجزة وأثره على تكامل المعرفة الإنسانية
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
إن البشرية منذ فجر التاريخ وحتى يوم الناس هذا تدرس الأخبار بشتى الوسائل والطرق، وتميِّز صحيحها من زيفها، وتصل إلى اليقين الحق في ذلك، ومن المستحيل ألَّا يميز الناس بين الكذب والصدق من الأخبار والقضايا ويختلط عليهم ذلك حتى لا يكادون يميزون بينهما ولا يعرفون الحق فيهما، إنك وإن اختلط عليك في الوهلة الأولى إلا أنك تميز بين الحبيب وصدقه في حبه لك وبين من يدَّعي الحب والحب منه براء، كما أنك تميز بين الخبير العالم الحق الصادق وبين من يدَّعي الخبرة والعلم والمهارة وهو منه خواء، وكذلك الناس يميزون بين الطبيب وصدقه في مهارته الطبية وبين الشاعر وصدقه في شاعريته ولو بعد حين، فكذلك التمييز بين أخبار النبي الصادق والكاذب؛ “ ذلك أن للحقيقة قوة غلابة تنفذ من حجب الكتمان، فتقرأ بين السطور وتعرف في لحن القول، والإنسان مهما أمعن في تصنّعه ومداهنته لا يخلو من فلتات في قوله وفعله تنم على طبعه إذا أحفظ أو أخرج أو احتاج أو ظفر أو خلا بمن يطمئن إليه” ( [3] ) .
إذن؛ فحص الخبر والتأكد من صحته وصدقه يقوم على أمور ودلائل وبراهين كثيرة يستخدمها الواحد منا في يومه وليلته؛ فالثقة بالمصدر الناقل (الراوي) من دلائل صدقه، والتزام المصدر الناقل بالصدق في عامة أخباره أيضا مما يدل على صدقه؛ فمن لم يجرب الناس عليه كذبا طوال عمره لا يمكن أن يكذبوه، ومن ذلك أيضا الخلو من الدوافع الباعثة على الكذب كالانتصار والانحياز لشيء ما أو جهة أو مذهب أو جماعة، وكذلك الازدراء بشيء ما أو مذهب، ومنها تبيّن صدقه للناس فيما يخبر به وتتابُع ذلك، ومنها مطابقة الخبر للواقع.
ولئن كان الأمر كذلك في عامة الأخبار فإن النبوة خبر من الأخبار يستحيل أن يخفى على الناس حقّه من باطله، وألا يميزوا بين الأنبياء الصادقين المرسلين من رب العالمين وبين المتنبئين الكاذبين، كيف وهو أهم خبر وأعظم نبأ تحتاج إليه البشرية لتتصل بخالقها ومولاها، وتدرك به حقيقة وجودها بدايته ومنتهاه وخلقه وجزاؤه والغاية التي خُلق من أجله؟!
ولما كانت النبوة بهذه المثابة لم يقتصر أمرها على الدلائل والحجج والبراهين التي يُعرف بها صدق الأخبار عموما، بل أُردفت بجملة كبيرة من الدلائل والبراهين سواء القرائن المحتفّة بالنبي الذي جاء به أو القرائن المنوطة بالخبر الذي جاء به أو غيرها، “فما ظنك بهذه الحياة النبوية التي تعطيك في كل حلقة من حلقاتها مرآة صافية لنفس صاحبها؛ فتريك باطنه من ظاهره، وتريك الصدق والإخلاص ماثلًا في كل قول من أقواله وكل فعل من أفعاله. بل كان الناظر إليه إذا قويت فطنته وحسنت فراسته يرى أخلاقه العالية تلوح في محياه ولو لم يتكلم أو يعمل” ( [4] ) .
المعجزات من دلائل صدق الأنبياء:
ومن أهم تلك الدلائل المعجزاتُ التي خص الله بها أنبياءه لتكون شاهدة على صدقهم، وحجة على أقوامهم وخصومهم ومكذبيهم، فالمعجزة: أمر خارق للعادة، يُجْريه الله تعالى على أيدي الأنبياء والمرسلين؛ تأييدًا لهم وتصديقًا، وتحدّيًا لأقوامهم وحجة عليهم ( [5] ) .
والأمثلة على المعجزات كثيرة جدًّا، وقد جاءت الأنبياء بكثير منها، ولكنها في النصوص الشرعية وعند السلف كانوا يصطلحون على تسميتها بالآيات والبينات والبراهين، ومن أهم المعجزات:
أولا: تحويل العصا إلى حيَّة -وهي من معجزات موسى عليه السلام-:
أخبر المولى سبحانه أن معجزة موسى عليه السلام التي حاجّ بها خصمه فرعون وتحدَّاه بها هي العصا، وكان فرعون قد اتهمه بالسحر، فجمع له السحرة في يوم من أيام احتفالهم، “فقال لهم موسى: السحر الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم، لا ما جئتكم به أنا” ( [6] ) ، فكان أن واجه موسى بعصاه سحر السحرة، وأبطله أمام الجمع كلهم حيث تحولت إلى ثعبان يتلقفه، حتى لم يبق منه شيء، فآمن به جميع السحرة الذين جاء بهم فرعون، قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 43-47]، ولم تكن هذه المعجزة الوحيدة ولا الآية الوحيدة لموسى، بل تعددت الآيات والدلائل على صدق نبوته ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
ثانيًا: إحياء الموتى ورد بصر الأعمى، وهي من معجزات عيسى عليه السلام:
عني القرآن بذكر آيات الأنبياء، ولذا لا نعجب أن نجد شاهدا لكل مثال من أمثلة المعجزات والآيات، ومن معجزات عيسى عليه السلام التي أخبر عنها إحياؤه الموتى وإبراء الأكمه، قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [المائدة: 110].
ثالثا: القرآن المعجزة الخالدة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: