بين المعجزة والتكامل المعرفي.. الإيمان بالمعجزة وأثره على تكامل المعرفة الإنسانية
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
حادي عشر: أن حدوث المعجزات أمر يقيني حقيقي وليس افتراضا علميا أو احتمالا رياضيا ، فنزول القرآن على نبي الإسلام ووصوله إلينا متواترا وبقاؤه محفوظا من ألف وأربعمائة عام في الصدور وفي السطور رغم تكالب الأعداء وتعاقب الدول والأجيال بمختلف الآراء والأفكار لهو من أقوى الحجج اليقينية اليوم على وجود المعجزة وحصولها، والمعجزات عموما شاهدها وأحس بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهي منقولة إلينا بالتواتر المفيد لليقين.
ثاني عشر: الواقع أن هذه الشبهة إسقاط لمشكلة يعاني منها مدعوها الناقدون للأديان لا العكس ؛ فعامة الناقدين للأديان تبنوا مناهج معرفية أغلقوا دون الناس أبوابا معرفية واسعة وأقلقوا المنظومة المعرفية الإنسانية وحجبوا دونها كثيرا من العلوم والحقائق؛ فمنهم من تبنى مصدرية العقل للمعرفة وأنكر مصدرية الخبر؛ وزعم أن العقل وحده هو الموصل للحقائق، وأنكر بذلك القضايا المتواترة، فلا يؤمن بوجود الأنبياء مع أن كثيرا منهم يسلم بوجود الفلاسفة القدماء ويسلم بوجود ما وجد من الممالك والأمم البائدة مثلا، ومنهم من تبنى مصدرية الحس والتجربة وحسبُ بعد أن ساد الصراعُ على أي المصادر المعرفية يُعتمد حين لم يجدوا من القول بمصدرية العقل وحده كثيرَ فائدةٍ، وأما الدين ومصادره فقد ضربوا به عرض الحائط لما لقوه من الطغيان الكنسي، ومن هنا تبنّوا القول بفكرة العلموية التي تدعو إلى حجر العقول البشرية على ما يتوصّل إليه العلم التجريبي وحسب، ومحو جميع المصادر المعرفية الأخرى من وحي وخبر وعقل، وكأنه لا وجود لمصادر يُوثق بها سوى العلم التجريبي( [18] ).
وبهذا أنكروا المبادئ الفِطرِيَّة البَدَهيَّة والمقدمات العقلية الضرورية؛ كالقول بأن لكل حادث محدِث ولكل فعل فاعل، وأن الكل أكبر من الجزء، وأن الواحد نصف الاثنين وأن النقيضين لا يجتمعان، وأنكر الحقائق المطلقة وساد بينهم القول بنسبية المعرفة ونسبية الحقيقة، وعادوا بالناس إلى عصور السفسطة المظلمة، وأغلقت دون البشرية أبواب العلوم العقلية والخبرية الصحيحة، وغَلَت في الحس والتجربة.
ولا يحتاج المرء العاقل إلى كبير عناء لردّ هذا التضييق على عقول البشر وعلى المنظومة المعرفية الإنسانية بأن هذا القول غير مبني على العلم التجريبي، فهي فكرة تنقض نفسها بنفسها.
هذا فضلًا عن أن مجال العلم التجريبي هو العالم المادي المحسوس، ولا يتجاوز إلى غير ذلك من مجالات العالم الفسيح الذي يدرك بالعقل والذي يدرك بالخبر، وإلى ذلك يشير إروين شرودنجر بقوله: “الصورة التي يقدّمها العلم عن الواقع من حولي صورة ناقصة جدًّا… إنه (أي: العلم الطبيعي) لا يتكلم ببنتِ شفة عن الأحمر والأزرق، المرّ والحلو، الألم واللذة، إنه لا يعرف شيئًا عن الجميل والقبيح، الحسن والسيئ، الله والخلود؛ يتظاهر العلم أحيانًا بأنه يجيب على أسئلة في هذه المجالات، ولكن غالبًا ما تكون إجاباته سخيفة للغاية، إلى درجة أننا لا نميل إلى أخذها على محمل الجد”( [19] ).
ففي هذه الفكرة إغلاق لباب مهم وإطاحةٍ لقسم من أقسام الفلسفة، وهو فلسفة الوجود (الأنطولوجيا) وحصره في فلسفة العلوم (الإبستمولوجيا) وإعدام فلسفة الوجود من الوجود تمامًا مع أنه هو الأصل الذي منه ولدت فلسفة العلوم( [20] ).
بل إن هؤلاء بإنكارهم الضرورات العقلية يهدمون منهجهم القائم على اكتشاف الأسباب واطِّرادها، بحيث إن “التجريبيين ينكرون الضرورة العقلية مطلقا؛ بناء على قولهم بأن الحواس هي المصدر الوحيد للمعرفة؛ إذ لو سلموا بالضرورة العقلية لالتزموا أن العقل هو مصدر تلك الضرورة، وهذا يتناقض مع مذهبهم الحسي في مصدر المعرفة”( [21] ).
إذن؛ الواقع والحقيقة أن الناقدين للأديان والمنكرين على مثبتي المعجزات هم من يشكلون خطرًا على المنظومة المعرفية، وهم من يغلقون الأبواب دون المصادر العلمية والمعرفية ويضيقون على الناس منافذ العلم والمعرفة لا العكس.
إن هذا التضييق والحجر على المنظومة المعرفية التي تفرضها التيارات العلموية الإلحادية تعود بذاكرة التاريخ الأوروبي إلى ما فعلته الكنيسة تمامًا؛ فلا يختلف الحال تماما وإن اختلفت الأدوار والأدوات والوسائل والمصدر الذي ضيَّقت عليه.
فالكنيسة ضيَّقت على العقول البشرية، وأغلقت دون المصدر الحسي التجريبي، وضيقت كلّ سبل العمل وطرق التفكير غير طريقها؛ زاعمة أنها حاملة مشعل النور والخبر الإلهي الحق الذي لا تحريف فيه والنبأ اليقين الذي لا زيغ فيه ولا غلط ولا كذب ولا دخن فيه، ولكن كان الواقع غير ذلك، ولكن الأمر كما تقول القديسة كاترينا السيانية: “إنك أينما وليت وجهك -سواء نحو القساوسة، أو الأساقفة، أو غيرهم من رجال الدين، أو الطوائف الدينية المختلفة، أو الأحبار من الطبقات الدنيا أو العليا، سواء كانوا صغارا في السن أو كبارا- لم تر إلا شرّا ورذيلة، تزكم أنفك رائحة الخطايا الآدمية البشعة؛ إنهم كلهم ضيقو العقل، شرهون، بخلاء، تخلّوا عن رعاية الأرواح… اتخذوا بطونهم إلها لهم، يأكلون ويشربون في الولائم الصاخبة، حيث يتمرغون في الأقذار، ويقضون حياتهم في الفسق والفجور”( [22] )، واليوم تعيد العلموية ذات الفعل وذات المشكلة العلمية والمعرفية التي مارستها الكنيسة؛ فلا زالت جوهر مشكلة الكنيسة حاضرة وإن اختلفت التسمية( [23] )، فالعلموية تغلق اليوم طرق العلم إلا طريقها.
ويمكننا القول في الختام قبل إعادة القلم إلى غمده: