شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بين المعجزة والتكامل المعرفي.. الإيمان بالمعجزة وأثره على تكامل المعرفة الإنسانية

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

ثانيا: المعجزة القرآنية متعالية على هذه الدعوى ، بل على العكس المعجزة القرآنية جاءت بالتكامل المعرفي والاعتبار بجميع المصادر المعرفية؛ فهو بذاته خبر وهو بذاته دليل على صحة الخبر؛ ومن ذلك إعجازه في حفظه وفي التحدي بالإتيان بمثله، بل بعشر سور من مثله، بل بسورة.

ثم هو يدعو إلى إعمال العقل والتفكّر والتدبر والاعتبار بالعلوم العقلية والنظرية دون إفراط ولا تفريط؛ ويستنكر على من يعطل العقل ويغفل دوره.

كما أنه ينكر على من يطمس نور الحس مع أنه مصدر من المصادر المعرفية الضرورية؛ فالمعجزة القرآنية لا تقلل من شأن أي مصدر من المصادر المعرفية، بل يدعو إلى التكامل في المنظومة المعرفية، ويفسح المجال لكل مصدر من المصادر المعرفية في مجاله، ما يمثل نوعًا من التكامل المعرفي الذي يحقّق الانسجام والتواؤم المعرفي التامّ، ويبلغنا أعلى ما يمكن من المستويات المعرفية، ولا يصد ولا يغلق دونه أي باب من أبواب المصادر المعرفية سواء بدعوى التعارض بين مصادرها أو بين جزئياتها( [16] ).

ثالثا: أن الإيمان بالمعجزات يزيدنا مصدرًا من المصادر المعرفية الخبرية ولا يغلق دوننا أبواب المعرفة؛ بل إن المعجزة القرآنية تضمَّن علوما وأخبارا لا يمكن حصولها من غيره من المصادر المعرفية الأخرى؛ كالأخبار الماضية التفصيلية والغيوب المستقبلية وكثير من المعارف الغيبية وكثير من المعلومات الدقيقة في كل نوع من أنواع هذه العلوم، فمدة مكث أصحاب الكهف في كهفهم ومكث نوح عليه السلام في قومه لا يمكن أن نعرفه إلا من خلال القرآن، ومثله عدد الحجج التي قضاها موسى مقابل مهر زواجه، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، ثم إن التشريع الذي جاء به القرآن ليس ثمة مثله لا من قبل ولا من بعد، فهو أكمل الشرائع، والعلوم الإلهية الواردة في القرآن أكمل العلوم، ليس ثمة مثله في أي مصدر معرفي آخر.

رابعًا: أن من يقرّ بالمعجزات ويؤمن بها لا يقرّ بفوضوية المنظومة المعرفية، ولا يناقض ما توصّل إليه البشرية بالحس والتجربة والعقل من انتظام الكون واتساق قوانينه وسننه، ولا يزعم التناقض بين اتساق النظام الكوني وبين حصول المعجزة التي هي خارقة للعادة وتغيير للنظام الكوني، بل يقولون بالتوافق بين الأمرين؛ لأن الخالق الذي خلق النظام وخلق الكون هو من خرق العادة والنظام من أجل إثبات صدق رسوله الذي أرسله، وبذلك تتكامل المعارف العقلية والحسية بالمعارف الخبرية الصادقة الصحيحة.

خامسًا: من يقر بمعجزات الأنبياء والرسل هو مقر بوجود الله سبحانه وتعالى، وهو مقر بسننه وقوانينه الكونية التي أودعها في خلقه وفي العالم، ويؤمن بأن الله هو من خلق الكون وقوانينه وسننه التي لا تتبدل ولا تتحول، فهم لا يقولون بفوضوية النظام الكوني، بل على العكس يقررون ويؤكدون أن الأصل في الكون هو النظام والدقة، ولكن قد تقتضي حكمته وإرادته أن ينخرق هذا النظام لإثبات صدق رسوله، فالمعجزات بالنسبة إلى انتظام الكون حالة استثنائية وليست هي الأصل إذن؛ “فتجويز انخرام قوانين الكون عند المؤمنين بالنبوة ليس أمرا عبثيا ولا فوضويا، وإنما هو محكوم بإرادة الله وحكمته وعلمه ورحمته، وهو محكوم أيضًا بالبقاء على الأصل، وليس هو الغالب ولا الأكثر، فحقيقة ما يقوله المؤمنون بالنبوة: أن الكون محكوم بقوانين تضبط أحداثه وتحكم مشاهده، وأن ذلك هو الأصل المطرد فيه، ولكن الله قد يحدث انخرامًا في بعض تلك القوانين إذا اقتضت حكمته وإرادته ذلك”( [17] ).

سادسًا: أن إثبات وجود المعجزات هو المتسق مع العمل بجميع المصادر المعرفية ؛ فإن كان العقل قد دلنا على انتظام الكون وعدم انخرامه وأن الإله هو الخالق الذي خلق هذا النظام وأنشأه إنشاء، فما المانع أن يكون الخالق هو الذي سمح بانخرام النظام في بعض الأحيان لحكمة؟! فإن التغيير في المخلوق بعد إنشائه ليس بأصعب من خلقه من العدم، ومن خلق النظام لا يعجزه أن يغيره لحكمة.

سابعًا: ليس في إثبات المعجزات أي مناقضة للمصدر المعرفي العقلي ولا الحسي ؛ فأما العقل فإن من يثبت المعجزات لا ينكر العلوم الضرورية العقلية مثل كون كل حادث له محدث وكون النقيضين لا يجتمعان، بل يؤكدون أن المعجزة حادث أحدثه الله سبحانه متسقا مع حكمته، وليس ذلك بأمر مستحيل عقلا؛ فالمعجزات خرق للعادة وللنظام الكوني من خالق النظام الكوني، وليس دعوى بإمكان المستحيل عقلا.

ثامنا: أن من ينكر على مثبتي المعجزات وقع في مشكلة القياس مع الفارق ، فهو يحكم -بالنظر إلى قدرة الإنسان وطاقته- باستحالة خرق القانون والنظام الكوني ثم ينزل ذلك الحكم على خالق الكون وخالق نظامه؛ وأين قدرة الخالق من قدرة المخلوق المحكوم بنظام الكون؟! فمن خلق النظام والقانون قادر على تغييره وعلى خلق غيره بلا شك.

تاسعًا: لا شك أن نظام المعجزات مخالف لنظام الكون وقانونه وإلا لما كانت المعجزة معجزة، ولكن ما دام أننا نقول: إن خالق المعجزات هو نفسه خالق الكون وقوانينه، فما المانع أن يكون نظام المعجزات إحدى أنظمة كونه؟! فكما أن الخالق خلق الكون وجعل له نظاما وقانونا فهو الذي أرسل الرسل وجعل لتصديقهم قانونًا، وجعل قانون الكون متناسبا متغيرًا من أجلهم في وقت الحاجة إليه؛ فالخالق هو خالق الكون وقانونه وهو خالق المعجزات وقانونها، ولا يمكن أن يتعارض خلقه مع خلقه، وهو أحكم الحاكمين وهو لطيف خبير.

عاشرًا: أن هذه الدعوى فيها مغالطة رجل القش ، فهو يصوِّر لجمهوره ومن يستمع لقوله أن من يثبت المعجزات ينكر وجود القوانين الصارمة الضابطة لنظام الكون وأحداثه المحافظة على وجوده وثباته، وأن الأصل في الكون هو الفوضوية وعدم الاطراد وانعدام القانون والنظام، وأن الإيمان بالمعجزات إيمان بدوام انخرام القانون الكوني واطراد ذلك كل حين، وكأن المؤمن بالمعجزات خرافي أو مجنون لا عقل له. ثم هو يهاجم هذا التصور وهذا الزعم الذي زعمه، وليس هو قول المؤمنين بالمعجزات في الحقيقة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية