شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علم الكلام السلفي الأصول والآليات

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

اختلف العلماء في الموقف من علم الكلام، فمنهم المادح الممارس، ومنهم الذامّ المحترس، ومنهم المتوسّط الذي يرى أن علم الكلام نوعان: نوع مذموم وآخر محمود، فما حقيقة علم الكلام؟ وما الذي يفصِل بين النوعين؟ وهل يمكن أن يكون هناك علم كلام سلفيّ؟ وللجواب عن هذه الأسئلة وغيرها رأى مركز سلف للبحوث والدراسات إنجازَ هذه الورقة العلمية لتحقيق المفاهيم المؤصّلة، وتحرير موضع الخلاف، وتقرير الصواب في كل ذلك؛ رفعا لكلّ لبس مشوّش، ودفعا لكل توهّم مضلّل، والله الموفق للصواب.

مركز سلف للبحوث والدراسات

علم الكلام:

عرف ابن خلدون “ علم الكلام ” في المقدمة بقوله: ( هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة )( [1] ).

فهو “ علم حجاج عقلي ” عن “ عقيدة السلف أهل السنة “، وهو على هذا غير موضوع لـ” إثبات العقائد ” ابتداءً، بل للذب عنها، بحسن بيانها والانتصار لما هو ثابت أصلا فيها، أو الرد على عقائد الآخرين لبيان زيفها وكشف مواضع خللها، دفعا في صدور البدع والمقالات الرديئة، فكانت محض “ كلام “.

وعلى هذا بنى ابن خلدون موقفا آخر فقال: ( هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم؛ إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما دونوا وكتبوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا )( [2] ). وهذا يؤكد أن علم الكلام ليس هو نفسه “ عقائد الإيمان ” في أصل وضعه، ولذلك ساغ ترك الاشتغال به عند عدم وجود ما يقتضيه.

ومما ينبغي الانتباه له في كلام ابن خلدون جعله علم الكلام مسلكا “ عقليا “، تستعمل فيه “ الأدلة العقلية ” لمدافعة الخصم الذي لا يسلّم بالنقل في “ المفاوضات “، أو في “ الإنشاءات “، أو في بعضها، والأصل في إثبات عقائد الإيمان هو النقل المحض من الكتاب وصحيح الحديث النبوي والإجماع على قول، وهذا أصل مهم ينبغي استصحابه لفهم ما يليه. ومثل ابن خلدون فعل الفارابي قبله في إحصاء العلوم، وهو أحرى أن يعي حقيقة هذا العلم لأنه استعمله، واستعمل ضده، وهو يقول فيه: ( صناعة الكلام يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفهما بالأقاويل )( [3] ).

لم يكن ابن خلدون من الأشاعرة بدعا في ما ذهب إليه، بل سبقه ما لعله أصله في ذلك، والسابق إليه فيما أعلم أبو حامد الغزالي، وعبارته في هذا أقوى وأمتن، قال الغزالي: ( لما نشأت صنعة الكلام، وكثر الخوض فيه، وطالت المدة، تشوّف المتكلمون إلى مجاوزة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها، ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى )( [4] ).

وكلام الغزالي كلام مجرّب محقّق، ولعل أخطر عبارة في كلامه وأقواها قوله: « مجاوزة الذب »، وهي عبارة كافية للدلالة على المقصود، ومعناها أن المتكلمين تجاوزوا مقاصد “ الكلام ” إلى محاولة تأسيس العقائد، فوقع اختيارهم على ما كان في زمانهم نظرية علمية طبيعية، فرأوا فيها أصلا صالحا للبناء، فتلقفه المعتزلة أولا، ثم تابعهم الأشاعرة وغيرهم، فقام لعلم الكلام بذلك سوق جديد، ووقعت “ المجاوزة “، وصار بعدها بناء العقائد “ عقليا ” على “ طبيعيات ” متوهمة، عوض أن تبنى على حقائق علمية وعلى الكتاب والسنة، كما كانت عليه “ عقائد السلف “، وعلى هذا النوع من “ علم الكلام ” تنزل عبارات الأئمة في النهي والذم، والله أعلم.

المصطلح الحادث:

لكل علم مصطلحاته، تبدأ قليلة العدد، أعمَّ في المعنى، ثم تتطور كثيرا وتؤول في دلالاتها إلى الأخصية، والقصد منها التفاهم في الخطاب، والأصل فيها عدم المشاحة، لكن لوضعها ضوابط عند الواضعين، تمنع من فوضى الوضع والاستعمال في مجالها التداولي.

وقد حظي علم الكلام ومباحثه بمصطلحات كثيرة، ذات أصول منطقية وفلسفية في الدلالة والمعنى، مولدة ومعربة، وقد انتبه العلماء لخطورة هذا الباب، فاحتاطوا له، ووضعوا لقبول المصطلح واستعماله ضوابط عاصمة، وكان لأهل الحديث في هذا موقف صارم، فقد كانوا لا يقبلون المصطلح إلا بعد تبين معناه ومقاصده عند مستعمله، ولا يركنون إلا إلى المصطلح القرآني والنبوي عند الحديث في أصول الدين، فلم يكن عندهم صد عن “ المصطلح ” لذاته، بل لما ضمنه واضعوه من المعاني الفاسدة المعارضة للكتاب والسنة، وقد لخص شيخ الإسلام ذلك عنهم فقال: ( وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة… فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه )( [5] )، بل نص على أن ذم الكلام المخالف للكتاب والسنة لم يكن لأجل ما فيه من محدثات المصطلحات في علم التوحيد وقال: ( فالسلف والأئمة لم يذموا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة، كلفظ الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك، بل إن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات… فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفى الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة، كان ذلك هو الحق، بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا في الوسائل والمسائل، من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو من الصراط المستقيم) ( [6] ). وهذا كاف لبيان المسلك السلفي في “ الاصطلاحات المولدة والوافدة ” في علم الكلام وغيره.

نوعا علم الكلام:

قال الجويني: ( حقيقة علم أصول الدين هي العلم بما يؤدي العلمَ بالله تعالى وبصفاته وبصفات رسله وأحكام دينه، وهو العلم الذي غلب عليه عرف الاستعمال بتسميته بأنه الكلام، وربما سمي علم الكلام )( [7] ).

الصفحة التالية