شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علم الكلام السلفي الأصول والآليات

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

وقد اشتهر عن أئمة السلف وتابعيهم بإحسان ذمهم لعلم الكلام ذما شديدا، وقد روى عنهم ذلك ثلة من المصنفين، مثل الهروي في “ ذم الكلام “، وتفاوت ذمهم له بين مبدّع ومكّفر، واجتمعت كلمتهم على التحذير من الاشتغال به، وشككوا في قدرته على تحقيق ما وكل به، وقوى هذا تراجع عدد من كبار المتكلمين عن القول به الاشتغال به، بل تحذيرهم منه، مثل الجويني والرازي وغيرهما، وأصر آخرون على خلافهم، فدافعوا عنه، واستشهدوا بالإمام أبي الحسن الأشعري، إذ زعموا أن له كتابا في ذلك، وهو المطبوع باسم “ استحسان الخوض في علم الكلام “، والنسبة إليه مشكوك فيها، فإما أنه ألفه حينما كان معتزليا، وإما أن كاتبه معتزلي، فصاحب هذه الرسالة يتحدث بمصطلحات اعتزالية معروفة، مثل “ العدل والتوحيد “، وليس هذا محل بيان ذلك، فما الذي دفع هؤلاء الذامين إلى ذمه؟ وما الذي دفع المادحين إلى مدحه؟

يذهب المدافعون عن علم الكلام إلى أنه علم حجاج ومفاوضة ومناظرة عن عقائد الإسلام، وأن ذلك من الواجبات الشرعية على علماء الأمة، وعند التحقيق يتبين كما مر التنبيه عليه أن الذي ذمه الذامون هو بناء ذلك على طريقة الفلاسفة والمناطقة، وتأسيسه على نظريات طبيعية متوهمة، فظهر أن محل المدح ليس هو نفسه محل الذم، وعلى هذا يمكن الخلوص إلى أن هناك طرقا أخرى في الحجاج لا ينالها الذم، وهي التي بناها العلماء على المسالك القرآنية في الحجاج، وعلى طرق عقلية صريحة، فيصح إذن تقسيم علم الكلام إلى نوعين: نوع محمود، ونوع مذموم، وهو الذي فهم من صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

العقل القرآني:

أقصد بالعقل القرآني الطريقة العقلية التي جادل بها القرآن خصومه، ويدخل تحت هذا “ المنهج العام ” و” الأدلة التفصيلية “، وقد تولى بيان هذا الباحثة أفنان الغماس في “ منهج القرآن في دحض شبهات الملحدين “( [8] )، والدكتورة مي الهدب في مقال بعنوان: “ منهج القرآن الكريم في الرد على الشبهات، خصائصه وقواعده “( [9] ).

وقد انتبه المتقدمون لبعض هذا، بعض الفلاسفة كابن رشد، وبعض المتكلمين كالغزالي، وقبلهم ومعهم وبعدهم من أهل الحديث قديما وحديثا، ومن الأمثلة المشهور عند المتكلمين ما يسمونه دليل التمانع، وهو قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، وهو من أدلة المتكلمين على ما يسمونه وحدانية الله وتفرده، وقد انتقده ابن تيمية في تحريراته في “ الدرء ” وغيره، وليس هذا ما يهمني هنا، إنما يهمني بيان أخذ أهل الحديث بالمنهج القرآني بقوة، ولست أنسى أنني حينما سألت أستاذي الدكتور جمال علال البختي في إحدى محاضراته بكلية أصول الدين بتطوان حينما كانت تابعة لجامعة القرويين عن استعمال أهل الحديث للعقل في مناظراتهم، أجابني بالإحالة على (رد الإمام أحمد على الجهمية)، وقال: “هذا العقل القرآني”. فوقع في قلبي تبين ذلك في ما أحالني إليه، وقد كان الأمر كما قال، عند أحمد وغيره.

ومن الأدلة العقلية التي وقف عندها العلماء -ومنهم ابن كثير- قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36]، قال ابن كثير مفسرًا: ( هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}، أي: أوجدوا من غير موجد أم هم أوجدوا أنفسهم؟! أي: لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا )( [10] ). وبهذه الآية وغيرها أسلم جبير بن مطعم، فقد كان وقع دلالتها العقلية قويا على قلبه فإنه قال: ( كاد قلبي أن يطير )، وتتبع هذا يحتاج إلى مجلد أو أكثر.

كان العلامة الصنعاني اليماني صارما في الاحتفاء بالعقل القرآني وتقديمه على غيره، حازما في انتقاد ما يخالفه، ويشهد على هذا كتابه “ ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان “، ولخص ذلك في مقدمته فقال: ( الحمد لله الذي جمع بالقرآن العظيم لأهل الإسلام بين أصح العلوم وأوضحها في الأفهام، وأفضل الأعمال وأيسرها على الموفقين من الأنام، حيث أربى لما أودعه من البراهين العظام على فني المنطق والكلام، لما فيه من النفع العام للخواص والعوام، ولسلامته مما اشتملا عليه في الجليات من فضلات الكلام، وفي الخفيات من التعمق والأوهام، والمشي وراء الفلاسفة والمبتدعة في مداحض الأقدام )( [11] )، وزاد فوصفه بأنه ( أجل نفعا وخطرا وقدرا وأثرا من جميع تصانيف المتقدمين المتعمقين، وتدقيق المتكلمين )( [12] ). وكان الصنعاني في ذلك كله مقررا اتباع ( ما كان عليه السلف الصالح المتقدم الذين يصلح أن نجعلهم بيننا وبين الله تعالى )( [13] ).

العقل عند أهل الحديث:

للعقل مكانة لا ينبغي أن يخالف فيها أحد، وقد وجه القرآن الكريم إلى وجوب الاهتمام والاحتفاء به، واستعماله في أخطر المباحث وهي التوحيد وأدلة الوجود الإلهي، وأما مكانته في الإسلام فقد تولى بيانها ثلة من الأفاضل في مؤلفات خاصة، أشار إلى ستة من أهمها الدكتور حسني زينة في كتابه ( العقل عند المعتزلة )، منها كتاب ( الإسلام والعقل ) للدكتور عبد الحليم محمود رحمه الله.

لا بد لكل مذهب أو فرقة من مصادر للتلقي، بها تتميز، ومنها تصدر في طروحاتها ومبادئها ومواقفها، وقد حاول العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله أن يلخص مصادر الإسلاميين مجملة في أربعة مصادر: العقل والكشف، والشرع والفطرة، وجعل الأوَّلين خلفيَّين والثانيَين سلفيين أي:

1- الشرع: والمقصود به كتاب الله تعالى وصحيح سنته عليه الصلاة والسلام، والإجماع الدال على أحدهما كما يقول الأصوليون، خصوصا في مسائل المعتقد، ولست أطيل في هذا وإن كان يحسن التوسع فيه قليلا في ما يخص حجية خبر الآحاد في العقائد عندهم خلافا لغيرهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية