كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)
مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
مقدمة:
إن ابن عباس رضي الله عنهما هو حبر الأمة وترجمان القرآن، ولا تخفى مكانة أقواله في التفسير عند جميع الأمة.
وقد جاء عنه في قول الله تعالى: (وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ) (يوسف: 110) ما يوهم مخالفة العصمة، واستدركت عليه عائشة رضي الله عنها لما بلغها تفسيره.
والمفسرون منهم من وافق ابن عباس رضي الله عنهما على تفسيره وانتصر له، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومنهم من وافق عائشة رضي الله عنها على استدراكها، ورأى أن قول غير ابن عباس رضي الله عنه أليقُ بالعصمة، كما ذهب إلى ذلك الإمام الطبري رحمه الله وغيره.
وهذه الآية قد توهَّم منها بعض الجهال -كما ذكره أبو محمد ابن حزم رحمه الله- ما ينافي عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال رحمه الله: (قول الله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) بتخفيف الذال. وليس هذا على ما ظنه الجهال، وإنما معناه أن الرسل عليهم السلام ظنّوا بمن وعدهم النصر من قومهم أنهم كذبوا فيما وعدوهم من نصرهم ( [1] ) . ومن المحال البين أن يدخل في عقل من له أدنى رمق أن الله تعالى يكذب، فكيف بصفوة الله تعالى من خلقه، وأتمهم علمًا، وأعرفهم بالله عز وجل؟!
ومن نسب هذا إلى نبي فقد نسب إليه الكفر، ومن أجاز إلى نبي الكفر فهو الكافر المرتد بلا شك. والذي قلنا هو ظاهر الآية، وليس فيها أن الله تعالى كذبهم، حاشا لله) ( [2] ) .
وفي هذه الورقة نبين ما يتعلق بتفسير ابن عباس رضي الله عنهما من توجيهات واعتراضات، بحيث يزول الالتباس عن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما للآية، وتندفع شبهة بعض الجهال في مخالفة الآية للعصمة.
مركز سلف للبحوث والدراسات
أولًا: تفسير ابن عبّاس رضي الله عنهما لقوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا):
قوله تعالى: (قَدۡ كُذبُواْ) قرئ بالتخفيف والتشديد، فقراءة التخفيف قراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي، والباقون قرؤوها بالتشديد.
ولقراءة التشديد وجهان ( [3] ) :
الأول: وظن الرسل -أي: أيقنوا- أن الأمم كذبوهم تكذيبًا لا يؤمنون بعده.
والثاني: وظن الرسل حقيقة الظن دون اليقين أن من آمن بهم كذبوهم أيضًا حين تأخر النصر عنهم.
ولقراءة التخفيف ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظَنَّت الرسل أنهم قد كُذِبوا فيما وُعِدُوا من النصر. وهذا هو التفسير الوارد عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، وهو محل بحثنا.
الوجه الثاني: ظن القوم أنهم -أي: القوم- كذبوا، أي: كذبهم الرسل فيما أخبروهم به من نصر الله لهم وإهلاك أعدائهم ( [4] ) ، أو قد كذبوهم فيما أخبروهم به من أنهم إن لم يؤمنوا نزل بهم العذاب، وإنما ظنّوا ذلك لما شاهدوه من إمهال الله إياهم، وإملائه لهم ( [5] ) . وهذا التفسير ورد أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما كما سيأتي.
الوجه الثالث: ظن الرسل -أي: أيقنوا- أنهم -أي: الرسل- كذبوا: كذبهم من وعدهم من قومهم أن يؤمن بهم، أو أن ينصرهم، أو ظن الرسل أنهم يكذبهم من آمن بهم أيضًا يرتدّ عن دينهم، لاستبطاء النصر ( [6] ) .
والمقصود هنا ذكر ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما في الوجه الأول الذي فسرت به قراءة التخفيف، وبيان ثبوتها، وذكر من وافقه على ذلك من السلف والخلف، ثم ذكر القول الآخر الوارد عنه في تفسير هذه الآية.
ثبوت الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما:
عن ابن أبي مليكة قال: قرأ ابن عباس: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) (يوسف: 110) قال: ( كانوا بشرًا، ضَعُفوا ويئسوا ) ( [7] ) .
وعن ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) خفيفة، ذهب بها هناك، وتلا: (حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة: 214) ( [8] ) .
وعن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: قرأ: (وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ) (يوسف: 110) خفيفة. قال ابن جريج: أقولُ كَمَا يقول: ( أُخلِفُوا) . قال ابن أبي مليكة: قال لي ابن عباس: ( كانوا بشرًا) ، وتلا ابن عباس: (حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة: 214). قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضَعُفوا، فظنوا أنهم أُخلِفُوا ( [9] ) .
وهذه الروايات صحيحةٌ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، ومنها ما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه.
وقد ذكر عدد من المفسرين هذا القول في تفاسيرهم، ونسبوه لابن عبّاسٍ رضي الله عنهما، منهم أبو محمد ابن قتيبة والسمرقندي والثعلبي ومكي بن أبي طالب القيسي ومحيي السنة البغوي وأبو المظفر السمعاني وأبو محمد ابن عطية وفخر الدين الرازي ( [10] ) .
قال الحافظ ابن حجر: (وعَجَبٌ لابن الأنباري في جزمه بأنه لا يصح، ثُمَّ الزمخشري في تَوَقُّفِه عن صحة ذلك عن ابن عباس، فإنَّهُ صحَّ عنه) ( [11] ) .
فقد تعجب الحافظ من صنيع صنفين: صنف أنكروا الرواية، وصنف توقفوا في صحتها.
فممن أنكر هذه الرواية عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : أبو بكر ابن الأنباري، وأبو علي الفارسي، ونقل القرطبي المفسّر الإنكارَ دون أن يُسمِّيَ قائِلَه ( [12] ) .
قال أبو علي الفارسي: (وإن ذهب ذاهب إلى أن المعنى: ظنّ الرسل أن الذي وعد الله أممهم على لسانهم قد كَذَبوا أو كُذِبوا، فقد أتى عظيمًا لا يجُوز أن يُنسَب مثلُه إلى الأنبياء، ولا إلى صالحي عباد الله. وكذلك من زعم أن ابن عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضعفوا فظنوا أنهم قد أخلفوا، لأن الله لا يخلف الميعاد، ولا مُبدِّل لكلماته) ( [13] ) .
وقال أبو بكر ابن الأنباري بعد أن أورد كلام ابن عبّاس: (وهذا غير مُعوَّلٍ عليه من جهتين: