شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

إحداهما: أن التفسير فيه ليس عن ابن عباس ، لكنه من مُتأوِّلٍ تأوَّلَه عليه.

والأخرى: أن في قوله: (جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) دلالة على أن أهل الكفر لما ظنوا ما لا يجوز ظن مثله واستضعفوا رسل الله، نُصِر الرسل.

ولو كان الظن للرسل كان ذلك منهم خطأ عظيمًا لا يستحقون ظفرًا ولا نصرًا، وتنزيه الأنبياء وتطهيرهم واجب علينا إذا وجدنا إلى ذلك سبيلًا) ( [14] ) .

وسيأتي بيان عدم منافاة كلام ابن عباس رضي الله عنهما وتأويله للعصمة.

وممن أنكر نسبة هذا القول لابن عبّاس رضي الله عنهما أيضًا: السمين الحلبي وتبعه ابن عادل الحنبلي في تفسيره، فإنهما قالا في عرض الأقوال في الآية: (الثالث: أن ‌الضمائر ‌كلَّها عائدة على الرسل، والظنُّ على بابه من التَّرجيح، وإلى هذا نحا ابنُ عبَّاسٍ، وابن مسعود، وابن جبير، وقالوا: والرُّسُل بشر؛ فضعفوا وساء ظنُّهُم، وهذا لا ينبغي أن يصحَّ عن هؤلاء ) ( [15] ) .

وفي كلامه نظر، فإنه قد نسب لابن عباس رضي الله عنهما ومن معه من أصحاب هذا القول أنهم جعلوا الظن على بابه، وبنى على ذلك نفي نسبة هذا القول لهم، والمقدّمة الأولى غير مُسلَّمَة، كما سيأتي.

وممن توقف في صحة هذه الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما: الزمخشري، وتبعه البيضاوي.

ونصُّ الزمخشري: (فإن صح هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظَّنِّ ما يَخطِر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية) ( [16] ) .

قال الطيبي: (قوله: “فإن صح”، قلتُ: ‌ما ‌أصحَّه! وقد رواه البخاري في صحيحه) ( [17] ).

وقد تبع البيضاويُّ الزمخشريَّ في ذلك، ونقل السيوطيُّ تعقّب الطيبي في حاشيته على البيضاوي ( [18] ) .

فالحاصل أن هذا القول ثابتٌ عن ابن عباس رضي الله عنهما، ونفيُ صحةِ نسبَتِه إليه أو التوقُّف في ذلك لا يستقيم، وهو محلُّ نظرٍ عند المحققين من أهل العلم بالحديث.

تنبيه: قال ابن حجر: (الذي يُظَنّ بابن عباس أنه أراد بقوله: كانوا بشرًا إلى آخر كلامه مَن آمن من أتباع الرسل، لا نَفسُ الرُّسُل. وقول الراوي عنه: ذهب بها هناك، أي: إلى السماء، معناه: أن أتباع الرسل ظَنُّوا أن ما وعَدَهُم به الرسل على لسان الملك تخلَّف، ولا مانعَ أن يقعَ ذلِك في خواطر بعض الأتباع) ( [19] ) .

وما ذكره ابن حجر هنا من أن مراد ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: (كانوا بشرًا) أتباع الأنبياء لا الأنبياء: فيه نظر، لأنه خلاف الظاهر.

مَن وافَق ابنَ عبَّاس رضي الله عنهما من السلف والخلف:

أجلُّ من نُسِب إليه موافقة ابن عباس رضي الله عنهما على ما ذهب إليه: الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

قال الإمام الطبري رحمه الله: (وقد ذهب قومٌ ممن قرأ هذه القراءة -أي: قراءة التخفيف- إلى غير التأويل الذي اخترنا، ‌ووجَّهُوا ‌معناه ‌إلى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظَنَّت الرسل أنهم قد كُذِبوا فيما وُعِدُوا من النصر) ( [20] ) .

وذكر رواية ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما المتقدّمة، ثم ذكر عن مسروق، عن ابن مسعود، أنه قرأ: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) (يوسف: 110) مخففة، قال عبد الله: (هو الذي تَكرَه) ( [21] ) .

وظاهر كلام الحافظ ابن كثير أن ابن مسعود رضي الله عنهما قوله كقول ابن عبّاس في تفسير الآية ( [22] ) .

لكن نوقشت دلالة هذه الرواية على المطلوب، قال ابن حجر: (وليس في هذا أيضًا ما يُقطَعُ به على أن ابنَ مسعود أراد أن الضمير للرسُل، بل يُحتَمَل أن يكون الضمير عنده لمن آمن من أتباع الرسل، فإنَّ صُدور ذلك ممن آمن مما يُكرَه سماعه، ‌فلم ‌يتعين ‌أنه ‌أراد الرسل) ( [23] ) .

وقد وافق ابن عبّاس رضي الله عنهما أتباع مدرسته في التفسير، وقد تقدّم قول ابن جريج عقب ذكره تفسير ابن عباس: (أقولُ كَمَا يقول: أُخلِفُوا) .

ووافقه تلميذه سعيد بن جبير، كما جاء عن أبي بشر عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) (يوسف: 110) قلت: كُذِبوا؟ قال: (نعم، ‌ألم ‌يكونوا ‌بشرًا؟!) ( [24] ) .

وقال ابن حجر مُستَدِلًّا برواية عروة بن الزبير الآتي ذكرها في استدراك عائشة رضي الله عنها على ابن عبّاس: (وظاهرُ السياق أن ‌عروة ‌كان ‌يوافق بن عباس في ذلك قبل أن يسأل عائشة، ثم لا يُدْرى رجع إليها أم لا) ( [25] ) .

وقد انتصر شيخ الإسلام ابن تيمية لتفسير ابن عبّاس رضي الله عنهما في فصلٍ نفيس ( [26] ) ، فقال بعد أن أورد رواية ابن عباس رضي الله عنهما واستدراك عائشة رضي الله عنها: (وقد تأوَّلَها -يعني قراءة التخفيف- ابنُ عبَّاس، ‌وظاهر ‌الكلام ‌معه ) ( [27] ) .

وممن وافق ابن عبّاس رضي الله عنهما: الطوفيُّ، فإنه فسر قراءةَ التخفيف بما فسرها به ابن عبّاس رضي الله عنهما: (و(كُذِبُوا) (يوسف: 110) بالتخفيف، أي: أخلفهم الله عز وجل وعدَهُ في النصرة، وأنَّهُم ليسُوا على شيء) ( [28] ) .

وقال أحمد بن إسماعيل الكوراني في تفسيره: ((وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ): بتخفيف الذال، قراءة الكوفيين، والمعنى: ظن الرسل أن أنفسهم كذبتهم في تقدير النصر، ولم يكن لهم وعدٌ بالنصر في تلك الواقعة من الله تعالى. أو ظنوا أن من أطاعهم علانية كَذَبُوهم سرًا. أو الظن مجازٌ عن الهواجس التي يذهب بها نور الإيمان، وهذا تأويل قول ابن عبّاس على ما رواه عنه البخاري) ( [29] ) .

ومن المعاصرين الذين فسروا الآية برأي ابن عباس رضي الله عنهما: الشيخ عبد الرحمن السعدي حيث قال في تفسيره: (يُخبِرُ تعالى أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل. حتى إن الرسل -على كمال يقينهم، وشدة تصديقهم بوعد الله ووعيده- ربما أنه يخطر بقلوبهم نوع من الإياس، ونوع من ضعف العلم والتصديق) ( [30] ) .

القول الآخر الذي جاء عن ابن عَبَّاس رضي الله عنهما في تفسير الآية:

الصفحة السابقة الصفحة التالية