نقد القراءة الدنيوية للبدع والانحرافات الفكرية
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
مقدمة:
يناقش هذا المقال لونا جديدًا منَ الانحرافات المعاصرة في التعامل مع البدع بطريقةٍ مُحدثة يكون فيها تقييم البدعة على أساس دنيويّ سياسيّ، وليس على الأساس الدينيّ الفكري الذي عرفته الأمّة، وينتهي أصحاب هذا الرأي إلى التشويش على مبدأ محاربة البدع والتقليل من شأنه واتهام القائمين عليه، والأهم من ذلك إعادة ترتيب البدَع على أساسٍ جديد لا يعتمد طبيعةَ الانحراف عن الدين ومدى التحريف لأصوله، بل على أسسٍ ومعطياتٍ جديدة تخدم الهوى السياسي لأصحابها.
والانحرافُ في هذه القراءة في التعامل مع البدع والانحرافات الفكرية -بعد إعادة ترتيبها وتصنيفها- بنوع من الهوادة والتسامح والتهاون في مقابل التشدّد والقسوة على من يحارب البدع ويحذّر منها هو نتيجة طبيعية لاختلاف معايير الموالاة والمعاداة، فالقراءة الدنيوية لا تنظر للبدعة من جهة مخالفتها لأصول الدين وجرأتها على تحريف نصوص الوحي ومخالفة إجماع المسلمين، بل تنظر في أثرها السياسي (وفقا لتقييم معيَّن) وعلاقتها بمنظومة الحكم، فإن كانت هذه الانحرافات مجردَ جدالات نظرية في قضايا الاعتقاد المعروفة ومعاركها المنثورة في كتب أصول الدين وليس لها اتصال بالواقع قلَّ الاهتمام بها والتشدُّد مع أهلها والتحذير منها، واستُدعي خطاب التحذير من الانشغال بهذه الأبحاث عن قضايا الأمة، وضرورة الاجتماع حول الأمور المشتركة، مع الاجتهاد في إعذار المخالفين، وغير ذلك من وجوه الخطاب العقلانيّ الجميل، لكنه موجَّه نحو لون من الانحرافات الفكرية دون غيرها.
أما إن كان للانحراف الفكري ارتباط بالواقع السياسي وتأثير به (وفقًا لتقييم معين) فالنتيجة غياب العقلانية والهدوء والتسامح، ويصبح التشنيع والتحذير من هذه البدعة واجبَ الوقت الذي لا يجب التأخُّر عنه!
فنحن أمام تقييم جديدٍ للبدع والمُحدثات الفكرية، وذلك في ضوء أثرها في المجال السياسي أكثر من كونها زيادة في الدين أو نقصًا منه أو تحريفًا لحقائقه وثوابته.
وهذا التقييم لا يراعي قضية حفظ أصول الدين ومعالمه من التحريف كما هو الأصل في مبدأ محاربة الابتداع بقدر مراعاته لصراعات ومعارك سياسية يرى صاحبها أنها تخدم الإسلام والمسلمين. ولهذا قرر مركز سلف بيان خطورة هذا الاتجاه في تقييم البدع بمعايير سياسية دنيوية، والتنبيه إلى ضرورة ضبط المفاهيم وفق الأصول الشرعية الثابتة.
مركز سلف للبحوث والدراسات
مكمن الإشكال:
الإشكالية في هذا الطرح هو السعي لتطويع ما هو أصيل وثابت ومحكم في الدين الإسلامي -وهو مبدأ محاربة الدخيل من الأفكار والعقائد- لِمَا هو متغيّر وظنيّ ومتوهَّم -وهو تقييم الأثر السياسي لهذه البدع-، فهذا الأمر نسبيّ، ويجري فيه التنازع والاختلاف، وليس محلَّ إجماع أو اتفاق بين المسلمين.
إن البدعة مذمومة لذاتها، ولما قد ينشأ عنها من آثار سيّئة سياسيًّا واجتماعيًّا، ولا ينبغي النظر بطريقة معاكسة من خلال البحث عن المفاسد السياسية التي قد تنشأ عن هذه البدعة أو تلك وفقا لتقييم معين واجتهاد معين، ثم يكون هذا التقيييم هو الأساس في النظر للبدع والتعامل معها.
وسنعرّج على موقف أنصار النظرة الدنيوية من البدع والرد عليها بشكل عام، ثم نذكر ميزانهم للتعامل مع البدع.
الموقف العام من محاربة البدع :
لا ينظر أصحاب القراءة الدنيوية بإيجايبة لمبدأ التصدّي للبدع والمحدثات، فلا يكتفون بالتقليل من أهميته ولا يتورّعون عن الوقوع في أهله، بل يتّخذون موقفًا عدائيًّا من كلّ من حارب البدع وحذّر منها، وكأن هذا المبدأ من الظواهر السلبية والتحديات المعيقة لنهضة المسلمين وانطلاقتهم!
ويتّسم الخطاب الدنيوي بالتشويش على من يواجه البدع من خلال تقديم جملة من الأفكار في هذا السياق نذكر منها:
التحذير من تفريق الأمة : وكأن المسلمين ينعمون بحالة مثالية من الوحدة الدينية والسياسية، ولا يعكّر صفوها إلا الصوت السلفيّ المحذر من الزيادة في دين الله والابتداع فيه، وهذا التحذير باعثه دنيويّ سياسيّ أكثر من كونه مقصدًا دينيًّا مشروعًا، فأصحابه لا يتوجَّهون بهذه الدعوة لمن يخالف السلفية ويجتهد في الدعوة لبدعته ولا يطالبونه بالكف عن ذلك، بل اللوم والتقريع غالبا ما يكون في اتجاه واحد، كما أن الدعوة للاتحاد ينبغي أن تكون على الدين الصحيح لا على مزيجٍ من الأفكار والعقائد المتناقضة والمتضاربة؛ لأن هذه الدعوة فضلا عن بطلانها في نفسها، فإنها لن تحقق الوحدة المنشودة، وسيبقى الاختلاف والافتراق قائمًا ببقاء أسبابه.
مواجهة التحديات الكبرى للأمة : ومن الشعارات التي يرفعها أنصار الخطاب الدنيوي للتشويش على محاربة البدع أنَّ الأمة تواجه تحديات سياسية وفكرية كبيرة، فينبغي التفرغ لها وترك ما سواها من معارك جانبية وقضايا كثر النقاش حولها قديما وحديثا.
ومثل هذا الكلام وما يقاربه في المعنى لا حقيقة له؛ إذ هو مجرد وهم يتضخَّم عند البعض فيظن أنه حقيقة واقعة، والأمر على خلاف ذلك؛ إذ إن المعارك الفكرية والجدالات التي تنشأ بين طوائف الأمة المتخاصمة لن تؤثر شيئا في واقعها، ولن تنعكس سلبًا أو إيجابًا على عامة أحوالها، فالربط بين الأمرين أضغاث أوهام تخامر بعض العقول فتؤثر في نظرتها، فيصبح ما يهواه من الآراء والأفكار ضروريًّا للنهضة! وما لا يميل إليه فهو هامشيّ لا أثر له أو عائق في وجه مشاريع النهوض والتحرر!
فالواجب النظر لما ينشأ من جدل ونقاش حول القضايا الدينية في سياقه الطبيعي بعيدًا عن التهويل والمبالغة، فالأحداث السياسية والتحولات الكبرى في حياة الأمة لن تتأثر بما يدور في أروقة المتدينين من معارك كلامية ونقاشات متكررة في كل عام.
وللتأكيد على هذه الفكرة لنفترض غياب النقاشات الخلافية بين المسلمين، وسيادة نمط فكري معين لا يشاغب عليه أحد، فهل هذه الحال ستساهم في تحسين أحوال المسلمين وتعزّز من قدرتهم على مواجهة الأعداء والتحديات الكبرى؟