نقد القراءة الدنيوية للبدع والانحرافات الفكرية
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
وللإجابة على ذلك ننظر في حال البلاد الإسلامية قبل ظهور دعوات الإصلاح الديني حينما كانت الأجواء خالية من صخب النقاشات بين المجدّدين والتقليديين، فهل ترك ذلك أثره على مشاريع مواجهة العدو أو النهوض والتقدّم؟ والجواب: لا؛ إذ لم يزل الأمر في تراجع وانهيار ولم تنعكس حالة الوفاق الفكريّ على الأحوال السياسية، ولم تساهم في صناعة النهضة التي يكثر الحديث عنها.
أما التحديات الفكرية الوافدة التي يجب التفرغ لمواجهتها فلا علاقة لها بما يقع من جدل حول البدع، ولا تعارض بين الأمرين، وإمكانية الجمع قائمة فعلا، وأنصار المنهج السلفي المعادي للبدع في طليعة المتصدّين لها.
وليس من العقل الانشغال عن أخطار الداخل بتوجيه الاهتمام نحو الأخطار الخارجية، فهذا من التفريط وسوء التدبير، فتعزيز الجبهة الداخلية ضروري للنجاح في مواجهة الخطر الوافد.
إن وجود التيار الذي يشوّش على البدع ويمانع من تحولها لممارسة أو فكرة مألوفة راسخة في حياة المسلمين ظاهرةٌ صحية ينبغي التعامل معها بإيجابية والعمل على تعزيزها وترشيدها حتى تؤدي عملها الإصلاحي.
كما أن الاسترسال مع منطق الكفّ عن الجدالات لمواجهة التحديات قد ينتهي بنا إلى إدانة الخطاب الديني بشكل عامّ، فالحديث في الوعظ وتهذيب السلوك وأحكام الطهارة والصلاة وقصص السيرة وأخبار الصالحين كل ذلك لا يبدو مهمًّا إذا ما قارنّاه بما تواجهه الأمة من مكائد واختراقات فكرية. فإن قيل: لكل شيء أهميته ودوره في حياة المسلمين، فيقال: وكذلك الشأن في الرد على البدع والتحذير منها.
اتهام السني بالعمل في المساحات الآمنة وترك القضايا المهمة : ومن وجوه التشويش على تيار محاربة البدع اتهام العاملين فيه بالتحرك في المساحات التي لا تصادم السلطة السياسية ولا تزعجها، والابتعاد عن أيّ قضية مهمة فيها معارضة لسياسات الحاكم وإنكار لتجاوزاته ومنكراته.
وهؤلاء ينطلقون من مبدأٍ يربط صحّة المنهج وسلامة الطريق بمدى التصادم مع السلطات الحاكمة، وهو مبدأ فاسد ينتهي لإدانة الدعوة الإسلامية المعاصرة بكل أنشطتها وفعالياتها، فكل ما يحقّقه العاملون للإسلام من إنجازات ومكاسب لا يتمّ إلا في الهامش المتاح من حرية العمل والتحرك والقيام بمختلف الأنشطة الدينية، وربما اقترن ذلك بالدعم والرعاية الرسمية.
كما أن هذا المبدأ السقيم يؤول بأصحابه إلى نقد وتخوين النشاط الديني بأشكاله المختلفة ومجالاته المتنوعة، فكلها تمضي في مسار غير صدامي مع السياسة.
فالتربية والإرشاد والوعظ وتعليم القرآن الكريم ونشر العلم الشرعي وتحقيق كتب التراث ودفع الشبهات وعقد الدورات العلمية والأنشطة الدعوية والعمل الخيري والاجتماعي، كل ذلك لا يتخذ أي شكل من أشكال المعارضة السياسية.
ومثل هذه الدعوات ليست إلا للمزايدات، فأصحابها لا يجرؤون على انتقاد الحاكم إلا بعد ضمان السلامة من الضرر والأذى، فهم أيضا لا يتحركون إلا في مساحات آمنة وهوامش متاحة من حرية التعبير عن الرأي والمعارضة السياسية.
والنزعة الدنيوية واضحة فيمن يوظّف هذه الفكرة، إذ إنها تختزل الدين في فكرة الثورة والاحتجاج والصدام مع الأنظمة والإنكار عليها، وأيّ نشاط ديني خارج هذا التوجه فهو عبثي لا فائدة منه أو متهم تدور حوله الشبهات!
يجدر التنبيه إلى أن الخطاب الدنيوي يتغذّى على حالات شاذّة من الغلو في الرد على المبتدعة، ويستغلّ الانحرافات الصادرة من بعض المنتسبين لمنهج السلف في هذا الباب، ويتّخذ من ذلك مادة لتعزيز شبهاتهم التي تشوّش على مقاومة البدع والتحذير منها.
وهذا من الباطل؛ فإنه ما من أصل صحيح إلا وقد وقع الغلوّ فيه، ولا يصحّ ترك القيام بالواجب المشروع المتعلّق بهذا الأصل لوقوع الانحراف والغلو فيه.
المعيار الدنيوي للتعامل مع البدع:
يتخذ أصحاب النزعة الدنيوية معيارَ الثورة والمواجهة السياسية لتقييم البدع والانحرافات؛ وذلك كما يلي
– فما كان قريبا -في منظورهم- من النهج الرسمي السلطوي فهو الضلال والانحراف الواجب مقاومته ودفعه.
– وما كان انحرافا فكريّا محضًا بعيدا عن السياسة لم ينشطوا كثيرا في الرد عليه، واستخدموا مع أهله منهج التوسع في الإعذار وخطاب الأخوّة الإسلامية والحد من الخلافات لمواجهة التحديات.
– وإن كانت البدعة في موقف سياسيّ معارض سكتوا عنها، وتهاونوا بشأن مواجهتها مهما بلغت في قبح مقالاتها النظرية أو مواقفها العملية.
فهم يحاربون الإرجاء ويكثرون من التحذير منه، وينقمون على السلفية موقفها من الحاكم والثورة ويعدّونه انحرافا كبيرًا، وينكرون على التصوف إن كان في صفّ السلطة الحاكمة.
في المقابل هناك حالة من التراخي وغضّ الطرف عن فكر الخوارج وغلاة التكفير؛ لأنه يذهب في الاتجاه المعارض للحكومات.
وهذا التعامل الجديد مع البدع بعد إعادة تصنيفها ينسف مفهوم البدعة والمقصد من الرد عليها؛ إذ إنه لا يكترث للانحراف الفكري من جهة مخالفته لأصول الدين وخروجه عن حقائقه، فغاية اهتمامه بالموقف السياسي لهذه البدع وموقعها من السلطة الحاكمة ومدى قربها أو بعدها منها.
فالسلفية وفقًا لهذا التصنيف تشكل انحرافا فكريا بسبب موقفها من الحاكم والثورة، والتشيع المعارض للأنظمة السنية خير في موقفه السياسي من السلفية، أما صحة المعتقد وسلامته ومدى القرب والبعد من الإسلام الصحيح فليس له أي أهمية أو اعتبار.
وربما اجتهد البعض في التهوين من انحرافات التشيع والتماس الأعذار للمتلبسين بمقالاته الشنيعة الخارجة عن اتفاق المسلمين، وكل ذلك في سبيل الانتصار للنظرة الدنيوية.
وهذا التسلّط بالتعامل السياسي الدنيوي مع شأن ديني محض هو كالتعامل مع الإسلام وأركانه تعاملا دنيويّا يركز على المصالح المتحقّقه للبشر بعيدا عن معاني العبودية والاستسلام لله بالطاعة وإخلاص العمل له، فهو يحتفي بالزكاة والصدقة ويرى فيها مساهمة في تحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، ويحتفي بالصيام لفوائده العائدة على صحة البدن، لكنه لا يرى أهمية كبرى للصلاة، فمن أعان الفقراء وفرّط في الصلوات الخمس خير ممن حافظ عليها. ولا شك بأن هذه القراءة المشوّهة خروج عن حقيقة الدين والمقاصد العليا التي شُرع لها.