شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كيفَ نُثبِّتُ السُّنة النبويَّة ونحتَجُّ بها وَقَد تأخَّر تدوِينُها؟!

مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

إنَّ إثارةَ الشكوك حول حجّيّة السنة النبوية المشرَّفة بسبب تأخُّر تدوينها من الشبهات الشهيرة المثارة ضدَّ السنة النبوية، وهي شبهة قديمة حديثة؛ فإننا نجدها في كلام الجهمي الذي ردّ عليه الإمامُ عثمانُ بن سعيد الدَّارِميُّ (ت 280هـ) رحمه الله -وهو من أئمَّة الحديث المتقدمين-، كما نجدها في كلام بعض المتكلمين كالفخر الرازي ( [1] ) ، وقد أثارها في الوقت الحاضر المستشرقون، وأثارها منكرو السنة والمشكِّكون بها من أذنابهم.

يقول المستشرق برنارد لويس: (إن جمعَ الحديث وتدوينَه لم يحدثا إلا بعد عدّة أجيال من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلال هذه المدَّة فإن الغرضَ والدوافع لتزوير الحديث كانت غير محدودة، فأولًا: لا يكفي مجرد مرور الزمن وعجز الذاكرة البشرية وحدهما لأن يلقيا ظلالًا من الشكّ على بيّنة تنقل مشافهة، مدة تزيد على مائة عام) ( [2] ) .

ولهذا يؤكد مركز سلف للبحوث والدراسات على ضرورة إحياء الثقة بالسنة النبوية، وبيان جهود الأمة في حفظها وصيانتها، وردِّ الشبهات عنها بالحجة والعلم والمنهج الراسخ.

مركز سلف للبحوث والدراسات

ويتبيَّن بطلان هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأول: لا يلزم من تأخّر تدوين السنة ضياعُها:

إن السُّنَّة النبوية قد تكفَّل الله تعالى بحفظها كما تكفّل بحفظ القرآن؛ لأن تكفُّله بحفظ القرآن يستلزم تكفُّله بحفظ بيانه وهو السُّنة، وحفظِ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمةً والهداية باقيةً بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمدًا خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع، بل دلَّ على ذلك قوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19].

فالشأن في هذا الأمر: هو العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلّغ ما أُمِر به التبليغ الذي رضيه الله منه، وأن ذلك مظنَّة بلوغه إلى من يحفظه من الأمة ويبلغه عند الحاجة ويبقى موجودًا بين الأمة.

وتكفُّلُ اللهِ تعالى بحفظ دينه يجعل تلك المظنَّة مئِنَّة، فتمَّ الحفظُ كما أراد الله تعالى، وبهذا التكفُّل يُدْفَع ما يتطرق إلى تبليغ القرآن كاحتمال تلف بعض القطع التي كتبت فيها الآيات، واحتمال أن يغيِّر فيها من كانت عنده، ونحو ذلك ( [3] ) .

كيف تثبت السنة النبوية ويحتج بها بها وقد تأخر تدويتها

وقد أحسن الشيخُ صالح بن مهدي المقبلي إذ قال: (فقد صارت السنن على طرف الثمام، يُقتَنَص شاردها بأدنى إلمام، وقد كان يرحل أحدهم للحديث الواحد السفر الطويل، فالحمد لله الذي لطف بنا، ورفق بضعفنا، ورحم في آخر الزمان غربتنا، وميزنا على سائر الأمم بأن جعل ديننا يزداد على بعدنا من نبينا صلى الله عليه وسلم بيانًا، وبراهين الحق تعرض لنا عيانًا، تحقيقًا لما قاله سبحانه: {‌ٱلْيَوْمَ ‌أَكْمَلْتُ ‌لَكُمْ ‌دِينَكُمْ ‌وَأَتْمَمْتُ ‌عَلَيْكُمْ ‌نِعْمَتِي ‌وَرَضِيتُ ‌لَكُمُ ‌ٱلْإِسْلَٰمَ ‌دِينًا} [المائدة: 3]، ولقوله تعالى: {هُوَ ‌ٱلَّذِي ‌أَرْسَلَ ‌رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]) ( [4] ) .

ونحن إذا قلنا: إنّ السنةَ النبوية لم تدوّن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عهد الخلفاء الراشدين، فإنه لا يلزم من ذلك أن تكون قد ضاعت، بل كانت محفوظة في الصدور، مع حصول التحرّي والتوقّي من الرواة حال التحمّل والأداء، وبهذا يبطل قول منكري السنة إنها (أشبه شيء بكتب أهل الكتاب، وما نشأ ذلك إلا من عدم كتابتها في عهد النبي عليه السلام، وعدم حصر الصحابة لها في كتاب، وعدم تبليغها للناس بالتواتر، وعدم حفظهم لها جيدًا في صدورهم حتى أباحوا نقلها بالمعنى) ( [5] ) .

يقول الإمام ابن رجب رحمه الله: (إن تدوين السنة أكثر ما يفيد صحتها وتواترها، وقد صحت بحمد الله تعالى، وحصل العلم بكثير من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها -أو أكثرها- لأهل الحديث العارفين به من طرق كثيرة، دون من أعمى الله بصيرته؛ لاشتغاله عنها بشُبَه أهل البدع والضلال) ( [6] ) .

ويقول المعلمي: (والعالم الراسخ هو الذي إذا حصل له العلم الشافي بقضية لزمها ولم يبالِ بما قد يشكّك فيها، بل إما أن يُعْرِض عن تلك المشكّكات، وإما أن يتأمَّلَها في ضوء ما قد ثبت. فهاهنا مَنْ تدبَّر كتاب الله، وتتبَّع هدي رسوله، ونظر إلى ما جرى عليه العملُ العامّ في عهد أصحابه وعلماء أمته، بوجوب العمل بأخبار الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها من صُلْب الدين، فمَنْ أعرض عن هذا وراح يقول: لماذا لم تُكْتَب الأحاديث؟ بماذا؟ لماذا؟ ويتَّبع قضايا جزئية -إمَّا أن لا تثبت، وإما أن تكون شاذة، وإما أن يكون لها مَحْملٌ لا يخالف المعلوم الواضح- مَنْ كان هذا شأنه فلا ريب في زيغه) ( [7] ) .

الوجه الثاني: الحكمة من عدم تدوين السنة النبوية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

يمكننا تلخيص أسباب عدم تدوين السنة النبوية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في ما يأتي ( [8] ) :

أولًا: مشقَّة التكليف بالكتابة: حيث كانت العرب أمّة أُميّة يندر وجود من يقرأ أو يكتب منهم، وأدوات الكتابة عزيزة، ولا سيما ما يُكتب فيه. وكان الصحابة رضي الله عنهم محتاجين إلى السعي في مصالحهم، فكانوا في المدينة منهم من يعمل في حائطه، ومنهم من يبايع في الأسواق، فكان التكليف بالكتابة شاقًّا، فاقتصر منه على كتابة ما ينزل من القرآن شيئًا فشيئًا، ولو مرة واحدة في قطعة من جريد النخل أو نحوه تبقى عند الذي كتبها.

وكذلك فإنَّ التزام كتابة السنة في العهد النبوي كان شاقًّا جدًّا؛ لأنها تشمل جميعَ أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله وما يقوله غيره بحضرته أو يفعله وغير ذلك.

وسيأتي أن سياسة النبي صلى الله عليه وسلم التعليمية سهّلت التدوين، فمرَّ بمراحل متعدِّدة، حتى استوى على سوقه في المدوّنات الحديثية التي بين أيدينا.

الصفحة التالية