كيفَ نُثبِّتُ السُّنة النبويَّة ونحتَجُّ بها وَقَد تأخَّر تدوِينُها؟!
مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف
ثانيًا: المقصود من القرآن لفظه ومعناه، وأما السنة فالمقصود معانيها: هذا هو المقصود الشرعي منها، وليست كالقرآن المقصود لفظه ومعناه؛ لأنه كلام الله بلفظه ومعناه، ومعجز بلفظه ومعناه، ومُتَعبَّد بتلاوته بلفظه بدون أدنى تغيير؛ لا جَرَمَ خفَّف الله عنهم، واكتفى من تبليغ السنة غالبًا بأنْ يَطَّلِعَ عليها بعضُ الصحابة، ويكمل الله تعالى حفظها وتبليغها بقدرته التي لا يعجزها شيء.
ثالثًا: عدم تدوين السنة فتح الباب لعبادة طلب الحديث: ومن طالع تراجم أئمة الحديث من التابعين فمَنْ بَعْدَهم، وتدبر ما آتاهم الله تعالى من قوَّة الحفظ والفهم والرغبة الأكيدة في الجد والتشمير لحفظ السُّنة وحياطتها؛ بان له ما يحيِّر عقلَه، وعَلِم أن ذلك ثمرة تكفُّلِ الله تعالى بحفظ دينه، وشأنهم في ذلك عظيم جدًّا، فهو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها، وبذلك يتبين أن ذلك من المصالح المترتبة على ترك كتابة الأحاديث كلها في العهد النبوي، إذ لو كتبت لانسدَّ باب تلك العبادة، وقد قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
رابعًا: تنشئةُ علومٍ تحتاج إليها الأمة: فهذه الثروة العظيمة التي بِيَد المسلمين من تراجم قدمائهم إنما جاءت من احتياج المحدِّثين إلى معرفة أحوال الرواة، فاضطروا إلى تتبُّع ذلك، وجمع التواريخ والمعاجم، ثم تَبِعهم غيرُهم. ومن تلك العلوم: الإسناد الذي يُعْرَف به حال الخبر، كان بدؤه في الحديث، ثم سرى إلى التفسير والتاريخ والأدب.
الوجه الثالث: لماذا لم يجمع الصحابة رضي الله عنهم السنة كما جمعوا القرآن؟
جُمِع القرآن في صحف بقيت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين، حتى طلبها عثمان في خلافته وكتب المصاحف.
ومعنى هذا أنه طول تلك المدة لم تَبْدُ حاجة إلى تلك الصحف، بل بقي القُرَّاء يُبلِّغون القرآن من صدورهم، ومنهم مَن كتب مِن صدره مصحفًا لنفسه، فلما كان في زمن عثمان احتيج إلى تلك الصحف لاختيار الوجه الذي دعت الحاجة إلى قصر الناس على القراءة به دون غيره، وكتب عثمانُ بضعة مصاحف، وبعث بها إلى الأمصار، لا لتبليغ القرآن، بل لمنع أن يقرأ أحد بخلاف ما فيها. هذا شأن القرآن.
فأما السُّنة فمخالفةٌ لذلك في أمور:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعْنَ بكتابتها، بل اكتفى بحفظهم في صدورهم وتبليغهم منها، أي: بنحو الطريق الأولى في القرآن.
الثاني: أنها كانت منتشرة لا يمكن جمعها كلها بيقين.
الثالث: أنه لم يتفق لها في عهد الصحابة ما اتفق للقرآن؛ إذ استحرَّ القتل بحُفَّاظه من الصحابة قبل أن يتلقَّاه التابعون، فإن الصحابة كانوا كثيرًا ولم يتفق أن استحرَّ القتل بحُفَّاظ السُّنة منهم قبل تلقي التابعين.
الرابع: أنهم كانوا إذا هموا بجمعها رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في جمع القرآن: «هو والله خير» أي: خير محض لا يترتَّب عليه محذور. كانوا يرون أنه يصعب جمعها كلّها، وإذا جمعوا ما أمكنهم خشوا أن يكون ذلك سببًا لردِّ مَنْ بعدهم ما فاتهم منها.
وخشوا أيضًا مِنْ جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن أن يُقْبِلَ الناس على تلك الكتب ويَدَعوا القرآن، كما جاء عن عمر رضي الله عنه وعن أبي موسى رضي الله عنه، فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها بطريق الرواية، ويَكِلُوها إلى حفظ الله تعالى الذي يؤمنون به ( [9] ) .
وخشوا أيضًا (أن يفتحوا بابًا يدخل منه آفة المضِلّين بكتبهم على الأمة، تحفُّظًا لما أوصي إليهم، واتقاءَ ما حَذِروه)، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي ( [10] ) .
وبهذه الأوجه يجاب عمّا أثاره منكرو السنة، حيث يقولون: إن السنة (لو كانت واجبة في الدين لأُمروا أن يعاملوها معاملة القرآن) ( [11] ) .
وقدِ ادِّعى أعداء السنة أنّ عدم تدوين الصحابة للسنة النبوية فوّت فرصة سدّ باب الاختلاف بين الأمة، ولمزوا بذلك لمزًا خفيًّا بالصحابة رضي الله عنهم، وفي ذلك يقول أبو ريّة: (ولو أن المسلمين الأولين أو من دخلوا في الإسلام -من بعد- كانوا طبقة واحدة في الصدق، ودرجة متساوية في العدل وكمال السيرة، أو لو أن الرواية قد وقفت على من أطلقوا عليهم اسم الصحبة الصحيحة، وربطت الكتابة ما روي في عهد الخلفاء الراشدين، لكان عسى أن يكون النقل مقصورًا على ما قاله النبي -صلوات الله عليه- بغير زيادة ولا نقص، ولجاءت الأحاديث كلها صحيحة لا شك فيها، ومن ثم كانت الأمة تتلقاها بالرضا والتسليم كما تلقت من قبلها آيات القرآن الحكيم، ويأخذها الخلف عن السلف بألفاظها ومعانيها، ولا يخالف أحد من المسلمين وغير المسلمين فيها، ثم تسير الأمة على نورها وتهتدي بهديها من غير تمذهب ولا تفرق كما هو الأصل في الدين، ولكن الناس هم الناس في كلّ عصر، والبشر لهم طباع لا تتغيّر، وغرائز لا تتبدّل، وأهواء لا تتحوّل، وما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن جاء بعدهم من التابعين بدعًا من الناس، ولا هم بالمعصومين، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا) ( [12] ) .
وهذه الدعوى كان الحافظ ابن رجب قد أجاب عنها في ردّه على كلامٍ للطوفي فقال: (والاختلاف لم يقع لعدم تواتر السنة، بل وقع من تفاوت فهم معانيها، وهذا موجود، سواء دُوِّنَت وتواترت أم لا. وفي كلامه ( [13] ) إشارة إلى أنّ حقها اختلط بباطلها، ولم يتميّز، وهذا جهل عظيم) ( [14] ) .
ويقول الشيخ المعلمي في جواب كلامِ أبي ريّة: (أأنتم أعلم أم الله؟ أرأيتَ لو قال قائل: لو خلق الله عباده على هيئة كذا لانسدَّ باب الظلم والعدوان والفجور، ولو أُنزل القرآن وكلّ دلالاته يقينية لا يمكن أحدًا أن يشك أو يتشكّك فيها لانسدَّ باب التفرق، ولو، ولو… إنما شأنُ المؤمن أن ينظر ما قضاه الله واختاره، فيعلم أنه هو الحقّ المطابق للحكمة البالغة، ثم يتلمَّس ما عسى أن يفتح الله عليه به مِنْ فهم الحكمة) ( [15] ) .
الوجه الرابع: تأخر التدوين لا يعني انتفاءَ الكتابة مُطلقًا في زمان الصحابة والتابعين: