شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الأول)

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

من المعلوم أن مسائل التوحيد والشرك من أخطر القضايا التي يجب ضبطها وفقَ الأدلة الشرعية والفهم الصحيح للكتاب والسنة، إلا أنه قد درج بعض المنتسبين إلى العلم على الاستدلال بأقوال بعض الفقهاء المتأخرين لتبرير ممارساتهم، ظنًّا منهم أن تلك الأقوال تؤيد ما هم عليه تحت ستار “الخلاف الفقهي”، بينما هذه الاستدلالات لا تخرج عن ثلاثة أمور:

الأول: سوء فهم لكلام الفقهاء أو تأويل خاطئ لكلامهم، وهو الأغلب الأعم كما سنعرف إن شاء الله.

الثاني: اجتهادات فقهية متنازع فيها، لا تمس قضية التوحيد بشكل مباشر، ويكون قول بعض الفقهاء مرجوحًا.

الثالث: زلات فردية من بعض المتأخرين وأصحاب الحواشي في القرون المتأخرة، وخالفهم فيها غيرهم. ومعلومٌ أنه إذا اختلف العلماء في مسائل فإن ترجيح أحد الأقوال ليس بأولى من ترجيح الآخر، فلا ينبغي -والحال كذلك- نصب أقوال الفقهاء لمعارضة النصوص المحكمة من الكتاب والسنة.

لذا رأينا في مركز سلف للبحوث والدراسات أن نسلّط الضوء على أبرز هذه الاستدلالات، ونبيّن مواضع الخطأ فيها، حتى يتَّضح الحق وتتجلى الحجة.

مركز سلف للبحوث والدراسات

أولًا: الاحتجاج بذيوع الأضرحة في الأمة كدليل على إقرار الفقهاء لها:

احتج المخالفون بذيوع بناء القباب والمساجد على قبور الصالحين، واتخاذ المشاهد والأضرحة مزارات منذ سبعمائة سنة، مع وجود الاستغاثات والمنكرات على مرأى ومسمع من العلماء ومع ذلك فهي موجودة حتى الآن. ثم يبني المخالف نتيجة مغلوطة وهي أن هذه الممارسات متلقاة بالقبول عند الأمة، ولا تصل إلى حدّ الشرك الأكبر.

ومن ذلك ما يقوله الشيخ سليمان بن عبد الوهاب محتجًّا على أخيه: “ومعلوم عند العامّ والخاصّ أن هذه الأمور التي تكفِّرون بها قد ملأت بلاد المسلمين من أكثر من سبعمائه عام كما تقدّم نقله… والناس يسافرون إليها من جميع الأمصار أعظم مما يسافرون إلى الحج”. ثم يقول بعد ذلك مستنكرًا: “فمن أين لكم أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إذا دعا غائبًا أو ميتًا أو نذر له أو ذبح لغير الله أو تمسح بقبر أو أخذ من ترابه أن هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله وحل ماله ودمه؟!”( [1] ).

وهذه الحجة ضعيفة؛ إذ لو سلمنا أن العلماء سكتوا عن هذه المنكرات -مع كوننا لا نُسلم بهذا- فلا يصح الاحتجاج بسكوت العلماء، فهذا الحاكم النيسابوري بعد روايته لحديث النهي عن الكتابة على القبر استدلّ بعمل الأمة فقال: “وليس العمل عليها؛ فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوبٌ على قبورهم، وهو عملٌ أخذ به الخلف عن السلف “. فردّ العلماء استدلاله، ومنهم الحافظ الذهبي حيث قال: “ما قلتَ طائلًا، ولا نعلم صحابيًّا فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي”( [2] ).

وقال الأبي رادًّا على الحاكم : “وما ذكر من أنه عملٌ أخذه الخلف عن السلف لا يُسلَّم؛ لأن أئمة المسلمين لم يُفتوا بالجواز، ولا أوصَوا أن يُفعل ذلك بقبورهم ، بل تجد أكثرهم يُفتي بالمنع، ويكتب ذلك في تصنيفه. وغاية ما يُقال: إنهم يُشاهدون ذلك ولا يُنكرون، ومن أين لنا أنهم يرون ذلك ولا يُنكرون وهم ينصون في كتبهم وفتاويهم على المنع؟! “( [3] ).

وقال الهيتمي مُتعقّبًا الحاكم : “وبفرضها فالبناء على قبورهم -أي: الصالحين- أكثر من الكتابة عليها في المقابر المسبلة كما هو مُشاهد، لا سيما في الحرمين ومصر ونحوها، وقد علموا بالنهي عنه ، فكذا هي، فإن قلت: هذا إجماعٌ فعلي، وهو حجة كما صرحوا به، قلتُ: ممنوع، بل هو أكثري فقط؛ إذ لم يُحفظ ذلك حتى عن العلماء الذين يرون منعه، وبفرض كونه إجماعًا فعليًّا فمحل حجيته -كما هو ظاهر- إنما هو عند صلاح الأزمنة بحيث ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعطَّل ذلك من منذ أزمنة “( [4] ).

فانظر كيف أبطل الهيتمي الاستدلال بالواقع العملي، واحتجَّ بأن البناء على القبور منتشر في الحرمين ومصر، والعلماء يعلمون بالنهي عنه ولا ينكرون، ومع ذلك لا اعتبار بسكوتهم؛ لأن الاستدلال بالإقرار العملي إنما هو عند صلاح الأزمنة؛ وقد تعطَّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منذ أزمنة.

فإذا كان الهيتمي أبطل الاستدلال بسكوت الفقهاء في زمن الحاكم النيسابوري -وهو في القرن الرابع- فكيف يصح الاستدلال بسكون الفقهاء المتأخرين؟! مِن هذا تعلَم فساد حجة مخالفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأن هذه الأبنية موجودة والعلماء لا يُنكرون.

وقد قال ضياء الدين المقبلي -وهو يسبق الوهابية بأكثر من قرن- بعدما حكى استغاثات أهل زمانه وانتشار ذلك في الحرمين: “ومن أنكر هذا قالوا: جلمود مخذول، ولا يحب الأولياء، أو نحو ذلك من عبارات لهم، فهؤلاء زادوا على من قال: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}”( [5] ).

والمقصود: أنه لا يُحتجّ بالواقع العملي، ولا بتلقّي ذلك بالقبول جيلًا بعد جيل؛ لأن من العلماء من ينكر ذلك في بطون الكتب، وإذا قُدّر أنهم لا ينكرون فليس بشيء؛ لأن الاستدلال بالإقرار العملي إنما هو في وقت صلاح الأزمنة، مثل زمن الصحابة كما قال ابن حجر الهيتمي.

ثانيًا: التفرقة بين البناء على المقابر المسبلة والمملوكة:

احتجّ المخالفون في تخصيص الشافعية تحريم البناء في المقابر المسبّلة وكرهوا ذلك في المملوكة. وعلة تفرقة الشافعية بين الملكية الخاصة والمُسبلة يرجع للتيسير على الناس في الانتفاع بأملاكهم في بناء البيوت ونحوها، فلا تتعطل مصالح الناس، مع إثبات الكراهة للبناء في المملوكة أيضًا.

وهو خلاف ليس تحته كبير عمل؛ وذلك لأن أكثر أضرحة الأولياء داخلة في المقابر المسبلة؛ لأنها ليست ملكية خاصة كما قال ابن حجر الهيتمي -وسيأتي كلامه-، فاحتجاج المخالفين بهذا التقسيم مجرد تمويه للتشغيب على محل النزاع.

الصفحة التالية