شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الأول)

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

بل قد انتصر الإمام الأذرعي -أحد مجتهدي المذهب- للتحريم مطلقًا سواء في المسبلة أو غيرها، فقال رحمه الله: “الوجه في البناء على القبور هو ما اقتضاه إطلاق ابن كَجٍّ من التحريم، من غير فرقٍ بين ملكه وغيره؛ للنهي العام ولِما فيه من الابتداع بالقبيح، وإضاعة المال والسرف والمباهاة ومُضاهاة الجبابرة والكفَّار، والتحريم يثبت بدون ذلك”( [6] ).

نعم، إن الوجه الذي رجَّحه الأذرعي ليس هو المعتمد في المتأخرين، وقالوا بالتفريق بين المسبلة والمملوكة، لكن غرضنا هو بيان أن السلفيين مسبوقون بعدم التفصيل من أصحاب الوجوه، وليس قولهم شاذًّا كما يصوّره المناوئون، وقد ذكرنا أن التفريق ليس تحته كبير عمل.

ولذلك لم يتردّد ابن حجر الهيتمي بالإفتاء بهدم القباب والمساجد المبنية على القبور في قرافة مصر، فقال: “وجب على ولاة الأمر هدم الأبنية التي في المقابر المُسبلة، ولقد أفتى جماعةٌ من عظماء الشافعية بهدم قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه ، وإن صرف عليها ألوف من الدنانير؛ لكونها في المقابر المُسبلة، وهذا -أعني المقابر المسبلة- مما عمَّ وطمَّ، ولم يتوقّه كبير ولا صغير، فإنا لله وإنا إليه راجعون”( [7] ).

قال ابن حجر الهيتمي: “ومن المسبلة قرافة مصر… وقد أفتى جماعة من العلماء بهدم ما بُني فيها، وقد أفتى جمعٌ بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية، حتى قبة إمامنا الشافعي التي بناها بعض الملوك ، وينبغي لكل أحدٍ هدم ذلك ما لم يخش مفسدة، فيتعيَّن الرفع للإمام”( [8] ).

وقال الهيتمي رادًّا على من فرَّق بين قبور الصالحين وغيرهم: “المنقول المعتمد كما جزم به النووي في (شرح المهذب) حرمة البناء في المقبرة المسبلة ، فإن بُني فيها هدم، ولا فرق في ذلك بين قبور الصالحين والعلماء وغيرهم ، وما في (الخادم) مما يخالف ذلك ضعيف لا يُلتفت إليه، وكم أنكر العلماء على باني قبة الإمام الشــافعي وغيرها، وكفى تصريحهم في كتبهم إنكارًا .. فاعتمد ذلك ولا تغتر بما يُخالفه “( [9] ).

وهذا من غيرة ابن حجر الهيتمي وأمانته على الشرع، لا كصنيع المنحرفين الذين يتتبعون كل ساقطة ولاقطة في الكتب ليشجعوا الناس على هذه المنكرات؛ لمحض المناكفة مع السلفيين.

وقال الهيتمي أيضًا: “الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها”( [10] ).

وقال أيضًا: “وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إذ لا يُظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لعنُ فاعله ، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار”( [11] ).

وقال الهيتمي رادًّا على من زعم أن سكوت العلماء دليل على الإقرار: “فالبناء على قبورهم -أي: الصالحين- أكثر من الكتابة عليها في المقابر المسبلة كما هو مُشاهد، لا سيما في الحرمين ومصر ونحوها، وقد علموا بالنهي عنه ، فكذا هي. فإن قلت: هذا إجماعٌ فعلي، وهو حجة كما صرحوا به. قلتُ: ممنوع، بل هو أكثري فقط؛ إذ لم يُحفظ ذلك حتى عن العلماء الذين يرون منعه، وبفرض كونه إجماعًا فعليًّا فمحل حجيته -كما هو ظاهر- إنما هو عند صلاح الأزمنة بحيث ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعطَّل ذلك من منذ أزمنة “( [12] ).

في النقل السابق يُبيَّن الهيتمي أنه لا يجوز الاستدلال بعدم إنكار العلماء (الإقرار العملي)؛ لأن الاستدلال بذلك يكون عند صلاح الأزمنة فقط. وفيه رد على من احتجوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن هذه الأمور موجودة في الأمة منذ سبعمائة سنة.

قال الدميري: “فمن المُسبَّل قرافة مصر؛ فإن ابن عبد الحكم ذكر في تاريخ مصر أن عمرو بن العاص أعطاه المقوقس فيها مالًا جزيلًا، وذكر أنه وجد في الكتاب الأول: أنها تربة الجنة، فكاتب عمر بن الخطاب في ذلك، فكتب إليه يقول: إني لا أعرف تربة الجنة إلا لأجساد المؤمنين، فاجعلها لموتاهم. وقد أفتى الشيخ بهاء الدين ابن الجميزي وتلميذه الظهير التزمنتي بهدم ما بُني بها”( [13] ).

وقال ابن النحاس الشافعي: “ومنها: البناء في المقبرة المُسبلة، وقد تقدم أن ذلك حرام يجب هدمها باتفاق العلماء، وأنه لا يُمكن أحد من البناء فيها… وأما البناء على القبر في غير المُسبلة فهو بدعة مكروهة, قال ابن بشير المالكي في كتابه: وليست القبور موضع زينة ولا مباهاة، ولهذا نهى عن بنائها على وجهٍ يقتضي المباهاة. والظاهر أنه يحرم مع هذا القصد، ووقع لمحمد بن حكم فيمن أوصى أن يبنى على قبره أن تُبطل وصيته، ويُنهى عنها ابتداءً”( [14] ).

وقال أيضًا: “ومنها: ما يُفعل عند القبر كالصندوق والدربزين، وذلك بدعة مخالفة للسنة، وأكثر ما يفعلون ذلك ي قبور الصالحين الذين هم أولى الناس باتباع السنة”( [15] ).

قال المُناوي: “فإن كان في مُسبلة أو موقوفة حرُم بناؤه والبناء عليه، ووجب هدمه، قال ابن القيم: والمساجد المبنية على القبور يجب هدمها حتى تسوى الأرض؛ إذ هي أولى بالهدم من الغاصب. اهـ. وأفتى جمعٌ شافعيون بوجوب هدم كل بناءٍ بالقرافة، حتى قبة إمامنا الشافعي رضي الله عنه التي بناها بعض الملوك”( [16] ).

وفي (عمدة المفتي والمستفتي) ما نصه: “ما عمَّ الابتلاء به من التقرب إلى الأولياء في قبورهم بأنواع الطاعات، وتعظيم نحو حائطٍ أو عمودٍ أو شجرٍ رجاء شفاءٍ أو قضاء حاجة، وهذا القسم أعظم وأشد من الذي قبله، ويخشى منه الوقوع في الكفر، إذا تقرر هذا فالرايات والأعلام التي تنصب على قبور الأولياء والصالحين من جملة البدع التي لم تكن في خير القرون، ولا جرى على فعلها السلف الصالح، ولا يعود على الولي نفعٌ أخرويٌّ بوضعها”( [17] ).

ثالثًا: الاستدلال بقول الفقهاء في بعض بدع القبور بالكراهة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية