شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الأول)

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

وممن قرر أن الذبح للقبور شرك: الصنعاني، حيث يقول: “فإن قال قائل: إنما نحرتُ لله، وذكرت اسم الله عليه، فقل: إن كان النحر لله فلأي شيءٍ قرَّبت ما تنحره من باب مشهد من تُفضِّله وتعتقد فيه؟! هل أردتَ بذلك تعظيمه؟! إن قال: نعم، فقل له: هذا النحر لغير الله تعالى، بل أشركت مع الله غيره، وإن لم تُرد تعظيمه فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟! أنت تعلم يقينًا أنك ما أردتَ ذلك أصلًا، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من بيتك إلا قصدًا له”( [50] ).

وكذلك قرره الشوكاني فيقول: “وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال والخضوع والاستكانة عبادة لله بلا خلاف، ومن زعم أن ثمَّ فرقًا فليهده إلينا، ومن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر لهم عبادتهم فقل له: فلأي مقتضى صنعت هذا الصنع؟!”( [51] ).

بل الأبلغ من ذلك: أنه قد ذهب الحنفية إلى تحريم الذبح للأحياء إن دلَّت قرينة على التعظيم، ومن ذلك: لو ذبح لقدوم ضيف ثم وزع اللحم على الناس دون أن يأكل منها الضيف، كان ذبحًا لغير الله؛ لأن عدم تقديم الأكل له قرينة أن الذبح كان تعظيمًا لذاته.

يقول الحصفكي الحنفي: “إن قدمها ليأكل منها كان الذبح لله، والمنفعة للضيف أو للوليمة أو للربح، وإن لم يقدمها ليأكل منها، بل دفعها لغيره كان لتعظيم غير الله، فتحرم، وهل يكفر؟ قولان”( [52] ).

ويقول ابن قاسم العبادي الحنفي: “الذبح عند مرأى الضيف تعظيمًا له لا يحل أكلها، وكذا عند قدوم الأمير أو غيره تعظيمًا؛ لأنه أُهل لغير الله”( [53] ).

هذا كلام الفقهاء بشأن من ذبح للأحياء في الأمور العادية مثل الولائم وغيرها، ومع ذلك حكم الفقهاء بحرمتها إن كانت هناك قرينة تدل على الذبح لذات الضيف نفسه، فكيف يُظن بالفقهاء أنهم أجازوا الذبح للأموات؟!

على أن السلفيين لم يتشددوا هذا التشدد بشأن الذبح للأحياء، بل أجازوا هذا الذبح دون احتراز.

ويظهر مما سبق :

أن السلفية مسبوقون بإلحاق النذر للقبور بالأمور التعبدية الشركية، بل هناك إطباقٌ على ذلك، والخلاف الذي توهمه المعاصرون إنما كان تقديره الذبح لمصالح الناس في تلك البقعة، والجميع اتفق على أن الذبح لتعظيم الميت محرم ومن صور العبادة.

ثم يبقى البحث أن معظم الفقهاء لم يُكفِّروا فاعل ذلك، مع إنكارهم تلك الممارسات، وهذا لا إشكال فيه، وجوابه من وجهين:

1- أن بعض الفقهاء ذكر أن علة التحريم هي العبادة كابن قاسم الحنفي، وبعضهم جعل العلة كونها قربة كالأذرعي والهيتمي، وبهذا يظهر أن العلة هي الشرك، فضلًا عن ابن تيمية الذي جعلها شركًا أكبر كما مر بيانه.

2- انتشار الجهل في عموم المسلمين يمنع من التكفير، فليس من الضرورة أن يحكم الفقيه على الأعيان؛ لعدم قيام الحجة عليهم، وإنما وظيفة الفقيه هو بيان الحق في المسألة.

وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. (يتبع)

ـــــــــــــــــــــــــــ

(المراجع)

([1]) الصواعق الإلهية (ص: 6-7).

([2]) تلخيص المستدرك (1/ 370).

([3]) إكمال إكمال المعلم (3/ 98).

([4]) تحفة المحتاج (3/ 197).

([5]) الأبحاث المسددة في فنون متعددة (ص: 158-165).

([6]) ينظر: الفتاوى الكبرى، للهيتمي (2/ 16).

([7]) الفتاوى الكبرى (2/ 25).

([8]) تحفة المحتاج بحاشية الشبراملسي (3/ 198).

([9]) الفتاوى الكبرى (2/ 17).

([10]) الزواجر (1/ 120).

([11]) الزواجر (1/ 149).

([12]) تحفة المحتاج (3/ 197).

([13]) النجم الوهاج (3/ 111).

([14]) تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين (ص: 482).

([15]) تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين (ص: 522).

([16]) فيض القدير (6/ 309).

([17]) عمدة المفتي والمستفتي (1/ 182).

([18]) الزواجر (1/ 120، 149).

([19]) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 447).

([20]) إرشاد الساري (3/ 428).

([21]) فيض القدير (4/ 612).

([22]) المجموع (3/ 158).

([23]) المفهم (2/ 627).

([24]) المستصفى (1/ 67).

([25]) المحصول (1/ 131).

([26]) إعلام الموقعين (1/ 33).

([27]) مجموع الفتاوى (27/ 112).

([28]) مجموع الفتاوى (11/ 275).

([29]) الصواعق والرعود (ص: 150).

([30]) الصواعق الإلهية (ص: 8).

([31]) مجموع الفتاوى (33/ 13).

([32]) اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 260).

([33]) مجموع الفتاوى (11/ 275).

([34]) القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 214).

([35]) قوت المحتاج شرح المنهاج (10/ 535).

([36]) الفتاوى الكبرى (4/ ٢٨٦).

([37]) الفتاوى النافعة في مسائل الأحوال الواقعة (ص: 249).

([38]) حاشية البجيرمي على الخطيب الشربيني (5/ 303).

([39]) شرح السنة (ص: 73-74).

([40]) الرسالة الواضحة في الرد على الأشاعرة (2/ 1050).

([41]) مفاتح الغيب (5/ 13).

([42]) العقد الثمين (ص: 123-124).

([43]) سيف الله (ص: 81-82).

([44]) ينظر: البحر الرائق، لابن نجيم (2/ 319).

([45]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: 693).

([46]) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (6/ 396).

([47]) فتاوى خير الدين الرملي الحنفي (1/ 17-18).

([48]) ينظر: البحر الرائق، لابن نجيم (2/ 319).

([49]) سيف الله (ص: 67-70).

([50]) تطهير الاعتقاد (ص: 33).

([51]) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد (ص: 20).

([52]) الدر المختار (1/ 643).

([53]) الجوهرة النيرة على القدوري (2/ 181).

الصفحة السابقة