الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الأول)
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
صواب قول الأذرعي واعتماد قوله عند متأخري الشافعية:
لا شك أن قول الأذرعي هو الصواب؛ لأن الواقع يؤيد ذلك؛ فإنه يتعذّر على العامي التفرقة بين النذر لفقراء البقعة، أو النذر للولي نفسه؛ لذلك تعقب المحقق الشافعي أبو بكر الخطيب الحضرمي كلام الهيتمي وغيره بقوله: “وأنت خبير بأن العامي الجاهل الصرف يخفى عليه ملاحظة أن هذا التصدق لا يعتقد إلا في القُرب ومعرفة ما هو قربة، فليتنبه لما يجيئون به للولي أو قبره أو مشهده وهو ميت؛ فإن الغالب أنهم يقصدون به تعظيم ذات الولي أو قبره أو مشهده، وذلك باطل كما تقدم، والله أعلم بالصواب”( [37] ).
وكذلك انتصر البجيرمي للإمام الأذرعي ، واعتمد قوله دون أن يتعقَّبه، فلما قال الخطيب الشربيني: (لو نذر زيتًا أو شمعًا لإسراج مسجد أو غيره… صح النذر والوقف وإن كان يدخل المسجد أو غيره ما يُنتفع به) علق البجيرمي قائلًا: “وإن قصد به -وهو الغالب من العامة- تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دُفن فيها أو نُسبت إليه، فهذا نذر باطل غير منعقد، فإنهم يعتقدون أن لهذه الأماكن خصوصيات لا تُفهم ويرون أن النذر لها مما يدفع البلاء”( [38] ).
والملاحظ هنا أن البجيرمي -صاحب الحاشية- حشَّى على هذه العبارة بعبارة الأذرعي دون عزو، ودون أن يتعقّبه، بل اقتصر على قوله، فهذا دليل أنه يعتمد هذا القول، وحاشيةُ البجيرمي من معتمدات المتأخرين.
وفيما يلي جملة من علماء المذاهب جعلوا النذر لغير الله شركًا:
قال البربهاري: “ولا يخرج أحد من الإسلام حتى يردّ آية من كتاب الله، أو يردّ شيئًا من آثار رسول الله، أو يصلّي لغير الله، أو يذبح لغير الله ، وإذا فعل شيئًا من ذلك فقد وجب عليك أن تُخرجه من الإسلام”( [39] ).
وأكده فقيه الحنابلة عبد الوهاب الشيرازي -وهو ناشر مذهب أحمد في الشام-: “ولا يخرج من الإسلام إلا من رد على شيء من الأوامر والنواهي، وصلى لغير الله أو ذبح لغير الله “( [40] ).
قال الرازي: “قال العلماء: لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدًّا، وذبيحته ذبيحة مرتد”( [41] ).
وقال السويدي الشافعي: “فقد تبيَّن لك من هذه النقول كلها أن ما يُقرِّب لغير الله تقربًا إلى ذلك الغير ليدفع عنه ضرًّا أو يجلب له خيرًا تعظيمًا له من الكفر الاعتقادي والشرك الذي كان عليه الأولون”( [42] ).
وقال صنع الله الحنفي: “من ذكر غير اسم الله على ذبيحته فهي ميتة يحرم أكلها.. نعم لو قال: هذا النذر لله، يُذبح في مكان كذا، ويصرف على جماعة فلان أو على أهل رباط فلان فلا بأس، كما في الوقف على فلان وفلان؛ فإن الوقف لله ملك له، وتصرف علته على من عينه الواقف، فكذا هنا”( [43] ).
وقال قاسم الحنفي في شرح الدرر -الذي تتابع الأحناف على نقله واعتماده-: “وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون لإنسان غائبٌ أو مريضٌ أو له حاجة ضرورية، فيأتي بعض الصلحاء، فيجعل سترة على رأسه فيقول: يا سيدي فلان إن رُدّ غائبي أو عُوفي مريضي أو قُضيت حاجتي فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع كذا أو من الزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه.. منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون للمخلوق ، ومنه أن المنذور له ميت، والميت لا يملك”( [44] ).
والشاهد أنه جعل تعليل تحريم النذر للأولياء كونَه عبادة، وهو ما لا يختلف عن تعليل السلفيين بكونه شركًا في العبادة.
ونقل كلامه الطحطاوي ثم قال: “اللهم إلا أن يقول: يا الله إني نذرت لك إن شفيت مريضي أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة نفيسة.. والنذر لله عز وجل “( [45] ).
ونقل كلامه علاء الدين الحصفكي ثم قال: “ وقد ابتُلي الناس بذلك، ولا سيما في هذه الأعصار “. قال العلامة ابن عابدين: “(قوله: ولا سيما في هذه الأعصار ) ولا سيما في مولد السيد أحمد البدوي “( [46] ).
وسُئل خير الدين الرملي الحنفي عن النذور المتعلقة بالأنبياء والأولياء، فأجاب: “هذه المسألة جعل فيها شيخ الإسلام الشيخ محمد الغزي رسالة، حاصلها أن النذر لا يصح إلا إذا كان من جنسه واجب مقصود؛ إذ ليس للعبد أن ينصب الأسباب ويشرع الأحكام.. وفي شرح الدرر للعلامة قاسم: وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام كأن يقول: ياسيدي فلان -يعني به وليًّا من الأولياء أو نبيًّا من الأنبياء- إن رُد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الفضة.. فهذا باطلٌ بالإجماع لأنه نذرٌ لمخلوق وهو لا يجوز؛ لأنه -أي: النذر- عبادة فلا تكون لمخلوق، والمنذور له ميت، والميت لا يملك… يا الله، إني نذرتُ لك إن فعلت لي كذا أن أطعم الفقراء بباب السيدة نفيسة أو الشافعي ونحوهما… أقول: قد استباح هذا المحرَّم المُجمع على حرمته جماعة يزعمون أنهم متصوفة يُقال في حقهم قدوة المسلمين ومربي المريدين!”( [47] ).
ويوضح خير الدين الرملي الحنفي المسألة بأوضح بيان قائلًا: “فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، فتُنقل إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليهم لا إلى الله تعالى، فحرامٌ قولًا واحدًا بإجماع المسلمين، ما لم يقصدوا الفقراء الأحياء قولًا واحدًا “( [48] ).
ويُفهم من كلام الرملي أن المسألة إجماعية، وإنما حصل الاشتباه في اللفظ، لا كما زعم ابن داود وابن جرجيس أن التقرب للأولياء للذبح من الشرك الأصغر، ونسبوا ذلك لابن تيمية!
ويقول صنع الله الحنفي -وهو يسبق الوهابية بقرن من الزمان- حيث أنكر ممارسات القبورية في زمنه فقال: “أما كونهم جوَّزوا لهم الذبائح والنذور وأثبتوا لهم فيها الأجور فيُقال: هذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان وفلان فهو لغير الله فيكون باطلًا”. ثم استدل بالآيات والأحاديث، ثم قال: “وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع والسجود والذبائح والنذر واليمين… ومن ذكر غير اسم الله على ذبيحته فهي ميتة يحرم أكلها… فالحاصل: أن النذر لغير الله فجورٌ، فمن أين لهم الأجور؟!”( [49] ).