الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الثاني)
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
خامسًا: الاستدلال بإباحة التوسل وشدّ الرحل لقبور الصالحين:
استدلّ المخالفون بما أجازه جمهور المتأخرين من التوسّل بالصالحين، أو إباحة تحرّي دعاء الله عند قبور الصالحين، ونحو ذلك، وهاتان المسألتان لا يعتبرهما السلفيون من الشّرك، وإنما يختارون أنها من البدع؛ لأنّ الداعي إنما يدعو الله تعالى متوسلًا بالصالح، أو عند قبر الصالح. فهذه من البدع أو من ذرائع الشرك، لا سيّما تحري قبور الصالحين بالدعاء.
وينقل عن إبراهيم الحربي في شأن قبر معروف الكرخي قوله: “قبر معروف الترياقُ المجرب”، وشرحه الحافظ الذهبي بقوله: “يريد إجابة دعاء المضطرّ عنده؛ لأن البقاع المباركة يُستجاب عندها الدعاء، كما أن الدعاء في السحر مرجوّ، ودبرَ المكتوبات، وفي المساجد، بل دعاء المضطر مجابٌ في أي مكان اتّفق”( [1] ).
والأدلة على تحريم ذلك مع المانعين؛ لأن العبادة تحتاج إلى دليل، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ قبره عيدًا، فقبر غيره من باب أولى، وإنما قال العلماء ذلك من باب التجربة، لكن التجربة ليست من أدلة الشرع بحيث تكتب في كتب الفقه ويؤصَّل لها.
والمنع عن تحري القبور بالدعاء ليس قولًا خاصًّا بابن تيمية، بل هو وجه قويٌّ في المذهب الحنبلي، فهو اختيار ابن عقيل( [2] )، وابن حمدان صاحب الرعايتين( [3] )، وكلاهما من أصحاب الوجوه في المذهب، وهو أيضًا اختيار القاضي عياض من المالكية( [4] ).
وقد اختار هذا الوجه أيضًا الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي -إمام الحنابلة المتأخرين-، فقال رحمه الله: “صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقًا في كلام بعض الناس: فلانٌ تُرجى الإجابة عند قبره، وفلانٌ يُدعى عند قبره، ونحو ذلك. وهو من جنس قول بعض الناس: المكان الفلاني يقبل النذر، والموضوع الفلاني يُنذر له، ويُعيِّنون عينًا أو بئرًا أو شجرة أو مغارة أو جبلًا أو حجرًا أو نحو ذلك، وكل ذلك غيٌّ وضلال “( [5] ).
ولا يُستدل على صحة ذلك بأنه قول الجمهور، فإنه قد يتتابع أصحاب المذهب الواحد على النقل عمن سبقهم، ويقتصرون على شرح ألفاظه أو التحشية عليه، فيأتي المعاصر ليُعدد لك أسماء من أباحوا هذه المسألة، فلا يغتر بهذه الكثرة؛ لأنه يرجع إلى قولٍ واحد.
قال ابن حجر الهيتمي: “ولا يُغتر بتتابع كتب مُتعدّدة على حكمٍ واحد؛ فإن هذه الكثرة قد تنتهي إلى واحد، ألا ترى أصحاب القفال أو الشيخ أبي حامد مع كثرتهم لا يُفرّعون ويؤصِّلون إلا على طريقته غالبًا، وإن خالفت سائر الأصحاب، فتعيَّن سبر كتبهم”( [6] ).
ويؤكد النووي ذلك بقوله: “بل قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء وهو شاذ بالنسبة إلى الراجح في المذهب”( [7] ).
وقال الحافظ ابن حجر: “السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ويطلع عليها آحادهم، ولهذا لا يُلتفت إلى الآراء ولو قويَت مع وجود سُنة تُخالفها، ولا يُقال: كيف خفي ذا على فلان؟!”( [8] ).
ويقول أبو حامد الغزالي في أوصاف علماء الآخرة: “إن عالم الآخرة يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرنه إطباق الخلق على ما أُحدث بعد الصحابة، وليكن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم”( [9] ).
على أننا نقول:
ليست هذه المسائل من الشرك عند السلفيين -بعكس ما يدَّعيه الخصوم-، فقد ذكرهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب في المسائل الفقهية المتنازَع فيها، فقال: “ فهذه المسألة -يعني: التوسل- من مسائل الفقه ، ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور أنه مكروه؛ فلا ننكر على من فعله، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد… إلى أن قال : أو يقصد قبر معروف -يعني: الكرخي- أو غيره يدعو عنده، ولكن لا يدعو إلا الله مخلصا له الدين ؛ فأين هذا مما نحن فيه؟!”( [10] ).
ويقول أيضًا: “النوع الثالث: أن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك أو بالأنبياء أو الصالحين؛ فهذا ليس شركا، ولا نهينا الناس عنه على أنه شرك، ولكن المذكور عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهم أنهم كرهوه، لكن ليس مما نختلف نحن وغيرنا فيه “( [11] ).
سادسًا: الاستدلال بجواز التسمية على الذبيحة باسم الله ومحمد:
يقول المخالف: ذكر بعض الشافعية أن التسمية على الذبيحة بأن يقول القائل: (باسم الله ومحمد رسول الله) جائزة.
والجواب عن ذلك: أنه لم يقل الشافعية بهذا الإطلاق، بل ذكروا أن التسمية باسم الله ومحمد من التشريك، ولكن إذا كانت التسمية لا تقع على قوله: (ومحمد رسول الله)، بل قيلت تبركًا، بأن جاءت بالرفع؛ لم تدخل في الشرك .
ونص كلام النووي كما يلي: “ولا يجوز أن يقول الذابح والصائد: (باسمِ محمد) ولا (باسم الله واسمِ محمد)، بل من حقّ الله تعالى أن يجعل الذبحَ باسمه، واليمينَ باسمه، والسجودَ له، ولا يشاركه في ذلك مخلوق. وذكر في الوسيط: أنه لا يجوز أن يقول: (باسم الله ومحمدٍ رسولِ الله)؛ لأنه تشريك. قال: ولو قال: (بسم الله ومحمدٌ رسولُ الله) بالرفع فلا بأس. ويناسب هذه المسائل ما حكاه في الشامل وغيره عن نص الشافعي رحمه الله: أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله تعالى كالمسيح لم تحل. وفي كتاب القاضي ابن كجّ: أن اليهودي لو ذبح لموسى، والنصراني لعيسى صلى الله عليهما وسلم، أو للصليب، حرمت ذبيحته، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو للرسول فيقوى أن يقال: يحرم؛ لأنه ذبح لغير الله تعالى”( [12] ).
فتأمل تعليل الشافعية للتحريم بقولهم: (لأنه تشريك).
أما جواز حالة الرفع فذلك لأن جملة (محمدٌ رسولُ الله) ستكون جملة مستقلة لا علاقة لها بما قبلها، وغير تابعة للتسمية. فكأن القائل سمَّى الله أولًا، ثم قال: (محمدٌ رسولُ الله) تبركًا. أما لو قيلت مُلحقة بالتسمية كانت شركًا عند النووي وغيره من الشافعية.