شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الثاني)

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

وقد نقل الشربيني عن الرافعي قوله عمن قال: (أذبح باسم الله ومحمد): “وقد تنازع جماعة من فقهاء قزوين فيه هل تحل ذبيحته؟ وهل يكفر أو لا؟ والصواب ما بيناه، وقد نص الشافعي على أنه لو قال: (أذبح للنبي صلى الله عليه وسلم أو تقربا له) لا يحل أكلها. أما لو قال: (باسم الله ومحمدٌ رسولُ الله) -برفع محمد- فإنه لا يحرم، بل ولا يكره كما بحثه شيخنا لعدم إيهامه التشريك . قال الزركشي: وهذا ظاهر في النحوي، أما غيره فلا يتجه فيه ذلك”( [13] ).

فتأمل قيد الزركشي: (هذا ظاهر في النحوي، أما غيره فلا يتجه فيه ذلك)؛ وذلك لأن العامي لا يلتزم بقواعد الإعراب، ولو قُدِّر أنه نطقها بشكل صحيح فإنه لا يقصدها، بل جاءت معه مصادفة. فانظر إلى فقه الزركشي كيف استثنى النحوي من إيهام التشريك، وجعل إيهام التشريك في غيره، حتى ولو نطقها صحيحة.

سابعًا: الاستغاثة والتشفّع بالرسول صلى الله عليه وسلم:

استدلَّ المخالفون بكلام التقيّ السبكيّ والقسطلاني وابن الجزري وابن حجر الهيتمي في إباحة الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه المسألة من أعظم المسائل التي يُلبّس بها المعاصرون في إباحة الشرك الأكبر وعبادة غير الله.

وهنا ينبغي توضيح أن الاستغاثة بالرسول عند السبكي والهيتمي ليست من الدعاء، وليست هي من الطلب الذي لا يقدر عليه إلا الله، وإنما هي توسل وتشفُّع بالرسول، ويُسميها استغاثةً اصطلاحًا، ولا خصوصية للسبكي والهيتمي في ذلك، بل كثيرٌ من المتأخرين يسمّون التوسّل استغاثة.

ونص على ذلك العلامة محمود شكري الآلوسي فقال: “أما قوله -أي: النبهاني-: إن السبكي والقسطلاني والسمهودي وابن حجر في (الجوهر المنظّم) قالوا: والاستغاثة به وبغيره في معنى التوسل إلى الله تعالى.. فيُقال: مسألة الاستغاثة به وبجاهه ليست مسألة النزاع، ومراد أهل العلم أن يسأل الله بجاه عبده ورسوله، لا أن يسأل الرسول نفسه”( [14] ).

ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: “ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحقّ عبده الصالح أو بعباده الصالحين، وهذا هو الغالب عند الإطلاق من كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر -أي: الهيتمي-“( [15] ).

ويقول العلامة السيد رشيد رضا مبرئًا السبكي: “لما فشا في العوام كان شيخ الإسلام ابن تيميه أول من قاومه وأطال الحجج في دحض شبهاته وتفنيد خرافاته ، ولم يخالفه في هذا أحد من علماء عصره ، بل قال بعضهم: إنه نبهنا لأمر كنا غافلين عنه، اللهم إلا ابن البكري ألّف رسالة في الرد عليه، وعرضها على علماء الأزهر وغيرهم ليجيزوها فلم يوافقه عليها أحد، وكان من فروعها بدع الزيارة وشد الرحال خالف فيها تقي الدين السبكي، ولكنه لم يُبح دعاء غير الله تعالى لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره ، وإنما كثر المضلون في هذه المسألة بعد ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ لأن الجهل بالتوحيد صار أعم”( [16] ).

وما ذكره الآلوسي والسيد رشيد رضا صحيح، والأدلة على ذلك كما يلي:

1- قال أبو زرعة العراقي الأشعري -تلميذ السبكي- لما سُئل عن التوسل بالأولياء: “وأما قوله: (أنا أطلب منك أن يحصل لي كذا وكذا) فأمرٌ مُنكر، فالطلب إنما هو من الله تعالى، والتوسّل إليه بالأعمال الصالحة أو بأصحابها أحياءً وأمواتا”( [17] ).

فمع أن أبا زرعة العراقي يحرم الاستغاثة بالأولياء ويعتبرها من المنكرات، يُثني على كتاب (شفاء السقام) للسبكي قائلًا: “وللشيخ تقي الدين ابن تيمية كلام بشع يتضمّن منع شد الرحل للزيارة، وأنه ليس من القرب، بل بضدّ ذلك، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في (شفاء السقام)، فشفى صدور قوم مؤمنين”( [18] ).

ففي النص السابق أثنى العراقي على كتاب (شفاء السقام)، ولم يُشر إلى مخالفته لشيخه بشأن الاستغاثة التي أخذت منه معظم الكتاب، فلو أنه يعلم أن فيها خلافًا معتبرًا -كما يتشدّق المعاصرون- لذكره، وهذا دليل أن السبكي لم يقصد ذلك، وأن المسألة إجماعية كما ذكر السيد رشيد رضا آنفًا.

2- رغم أن ابن الجزري من القائلين بالاستغاثة وردّ على ابن تيمية في ذلك، إلا أنه ذكر أن الطلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله هو من الشرك المجمع عليه.

يقول ابن الجزري رادًّا على حجج المانعين: “الثاني: أن استغاثة صاحب موسى به كان في أمر يمكن موسى فعله، وهو إعانته على خصمه، وهو أمر معتاد، ونحن إنما نمنع من الاستغاثة بالمخلوق فيما يختص فعله بالله عز وجل؛ كالرحمة والمغفرة والرزق والحياة ونحو ذلك، فلا يقال: يا محمد اغفر لي، أو ارحمني، أو ارزقني، أو أحيني، أو أعطني مالًا وولدًا؛ لأن ذلك شرك بإجماع”.

ويقول ابن الجزري موافقًا الإجماع على هذه المسألة: “وعن الثاني: أن ما ذكرتموه أمرٌ مجمع عليه، معلوم عند صغير المسلمين -فضلًا عن كبيرهم- أن المخلوق على الإطلاق لا يُطلَب منه، ولا ينسب إليه فعل ما اختصت القدرة الإلهية به ، وقد رأينا أغمار الناس وعامتهم وأبعدهم عن العلم والمعرفة يلوذون بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يزيدون على أن يسألوا الشفاعة والوسيلة: يا رسول الله اشفع لنا، يا الله ببركة نبيك اغفر لنا، فصار الكلام في المسألة المفروضة فضلًا لا حاجة بأحد من المسلمين إليه..

وإذا لم يكن بدٌّ من التعريف بهذا الحُكْم خشية أن يقع فيه أحد، فليكن بعبارة لا توهم نقصًا في النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غضًّا من منصبه، مثل أن يقال: ما استأثر الله عز وجل بالقدرة عليه فلا يطلب من مخلوق “( [19] ).

3- صُنع الله الحنفي رغم أنه ألف رسالة (سيف الله على من كذب على أولياء الله) يرد فيها على استغاثات القبورية، ومع هذا فقد برأ ساحة العلماء المتأخرين قائلًا: “وما قيل -يعني من العلماء- من أنه يجوز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين فإنما المراد به التبرك بذكرهم، والتوسل بهم، بلا إمداد منهم، فإياك ثم إياك في شأنك أن تُغالط إخوانك، اللهم طهرنا من معرة ذلك، وأعذنا من إيهام ما فيه المهالك”( [20] ).

إذن، لو كان الأمر كذلك فما وجه (المجاز العقلي) الذي ذكره السبكي في كتابه؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية