الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الثاني)
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
وسئل اللكنوي أيضًا عما اشتهر فى بلاد الهند بين العوام من نداء الأنبياء والأولياء من بعيد عند المصيبة والحاجة استغاثةً بهم، فأجاب: “مثل هذا الاعتقاد فى الأنبياء والأولياء أنهم حاضرون ناظرون شرك، فإنه يلزم منه العلم بالغيب لغير الله تعالى، وهذه العقيدة شرك. فإن هذه الصفة خاصة بالله تعالى لا يشاركه فيه أحد”( [47] ).
قال أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي : “من أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله بقولهم : يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئًا لله ، والصلوات المنكوسة إلى بغداد، وغير ذلك مما لا يعدّ، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ رحمه الله لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلِمَ يستغيثون به؟! ولم يطلبون الحوائج منه؟!… وقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في (التوشيح): منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب باعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح”( [48] ).
والقول السابق هو الموافق لأصول الحنفية، وذلك لما يلي:
1- في الفتاوى البزازية لحافظ الدين الخوارزمي الشهير بالبزازي -وهو من الكتب المعتمدة عند الأحناف-: “من قال: أرواح المشايخ حاضرة تَعلم؛ يكفر”( [49] ).
2- ويقول ابن نجيم: “وفي الخانية والخلاصة: لو تزوج بشهادة الله ورسوله؛ لا ينعقد، ويكفر لاعتقاده أن النبي يعلم الغيب”( [50] ).
ولا شك أن النداء من بعيد بـ (مدد) أو (شيء لله) يتضمن أنهم يسمعونه ويعلمون ما يقوله، بل ويجيبونه، وهو ما يناقض أحد القضايا المجمع عليها في المذهب -كما سبق بيانه-.
3- والدليل أن الأحناف لا يبيحون الاستغاثة أنهم تتابعوا على نقل عبارة قاسم قطلوبغا الحنفي: “وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد؛ كأن يكون لإنسان غائبٌ أو مريضٌ أو له حاجة ضرورية، فيأتي بعض الصلحاء، فيجعل ستره على رأسه فيقول: ( يا سيدي فلان ).. فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه.. منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة”( [51] ).
فمنع ابن قاسم من نداء الولي بـ (يا سيدي فلان) في مقام النذر، وقد تنبَّه الطحطاوي لهذه العلة، فقال في حاشيته: “اللهم إلا أن يقول: يا الله إني نذرت لك.. “ ( [52] ).
ووفق ما سبق: فإن تساهل بعض المتأخرين في عبارة (شيء لله) قد عورض بكلام غيرهم من المشارقة والأحناف في بلاد خراسان والهند، وغاية ما يُقال: أن العبارة قد اختلفوا في تكفير قائلها، فأي شناعة على السلفيين أن اختاروا أحد الأقوال المعتبرة وحذروا الناس منها؟! وأيُّ حماقة في إصرار المخالف لدعوة الناس لقول: (مدد) و(شيء لله)، مع علمه أنها ليست من القربات ولا المستحبات إلا لمحض المناكفة والفجور مع مخالفه؟!
الخاتمة:
مما سبق يتبين أن الاعتماد على أقوال بعض الفقهاء المتأخرين في مسائل القبور دون الرجوع إلى النصوص الشرعية المحكمة، أو دون مراعاة المنهج الصحيح في الترجيح، يؤدي إلى لبس الحق بالباطل، وتمرير الممارسات البدعية تحت ستار الخلاف الفقهي. وقد رأينا أن كثيرًا من هذه الاستدلالات مبنيٌّ على سوء فهم، أو استناد إلى أقوال مرجوحة، أو الاعتماد على زلات فردية لا تمثل إجماع الفقهاء.
ومن هنا، فإن طالب العلم الجادّ في هذا الباب يجب أن يكون على دراية بمسالك الفقهاء وطرق استدلالاتهم؛ حتى يتمكن من رد الشبهات، وفهم المسائل وفق منهج متين يقوم على الكتاب والسنة، دون أن يكون أسيرًا لاجتهادات متأخرة التي قد يشوبها القصور أو عدم الدقة في فهم النصوص. وبذلك يتحقق الفهم الصحيح لهذه القضايا، ويثبت الحق في نفوس طالبي العلم، ويكون مرجعهم دائمًا إلى الأدلة الشرعية بدلًا من اتباع الأقوال دون تحقيق أو تدقيق.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)
([1]) سير أعلام النبلاء (9/ 343).
([2]) ينظر: المغنى، ابن قدامة (2/ 100).
([3]) ينظر: المغنى، ابن قدامة (2/ 100)، الإنصاف للمرداوي (٢/ ٣١٧).
([4]) الشفا (2/ 444).
([5]) شفاء الصدور (ص: 124).
([6]) تحفة المحتاج (1/ 39).
([7]) المجموع (1/ 47).
([8]) فتح الباري (1/ 76).
([9]) إحياء علوم الدين (1/ 293).
([10]) مؤلفات الشيخ -القسم الثالث: الفتاوى- (ص: 59، 60، 68، 69).
([11]) الدرر السنية (2/ 43).
([12]) روضة الطالبين (2/ 475).
([13]) مغني المحتاج (4/ 273).
([14]) غاية الأماني في الرد على النبهاني (ص: 281).
([15]) منهاج التأسيس (ص: 267).
([16]) حاشية صيانة الإنسان من وسوسة الشيخ دحلان (ص: 470).
([17]) فتاوى الفقيه ولي الدين أبي زرعة العراقي (ص: ١٦٦-١٦٨).
([18]) طرح التثريب (٦/ ٤٣).
([19]) الإشارات الإلهية في المباحث الأصولية (ص: 481).
([20]) سيف الله على من كذب على أولياء الله (ص: 49-50).
([21]) يقول الغماري: “ونراهم يحلفون بهم، وينطقون في حقِّهم بما ظاهره الكفر الصراح، بل هو الكفر حقيقة بلا ريب ولا شكّ.. فكثير من جهلة العوام بالمغرب ينطق بما هو كفر صراح في حقّ مولانا عبد القادر الجيلاني الموجود ضريحه ببغداد، وكذلك نرى بعضهم يفعل ذلك مع من يعتقده من الأحياء، فيسجد له ويُقبل الأرض بين يديه في حال سجوده، ويجعل يديه من ورائه علامة على التسليم وفرط التضرع والالتجاء، ويطلب منه في تلك الحال الشفاء والغنى والذرية ونحو ذلك مما لا يُطلب إلا من الله تعالى… وذكر أمورًا ثم قال: فهذا كفر”. إحياء المقبور (ص: 19).
([22]) مباحثة مع علماء مكة (ص: 36). وانظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 222).
([23]) التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم رقم (1359).
([24]) من أجوبة الشيخ البراك على موقعه الرسمي: https://sh-albarrak.com/fatwas/21158
([25]) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (2/ 319).
([26]) البحور الزاخرة في علوم الآخرة (ص:340).
([27]) حاشية ابن قاسم على تحفة المحتاج (3/ 34).
([28]) نقله أحمد الغماري في إحياء المقبور (ص: 10).
([29]) حاشية البيجرمي على الإقناع (2/ 263).