الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الثاني)
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
فنقل ابن وهبان أن الأحناف اختلفوا هل يكفر القائل أم يُخشى عليه الكفر، لكن بعض الشراح لم يفهموا مراد الماتن، فقد استشكل ابن الشحنة رحمه الله تلك العبارة، وظن أن وجه الكفر هو أن السائل طلب من أحد الناس شيئًا ليعطي الله عز وجل، فلذلك كان كافرًا؛ لأن الله غني عن الناس.
نقل هذا الشرنبلالي عن ابن الشحنة، ثم قال: “وينبغي أن يرجّح فيها عدم الكفر؛ لأنه يُمكن تأويلها بأن يقول: أردتُ أن أطلب شيئًا إكرامًا لله”( [37] )، ونقل كلامهم الطحطاوي( [38] ) وابن عابدين ثم قال: “وينبغي أو يجب التباعد عن هذه العبارة”( [39] ).
وهذا الذي قاله ابن الشحنة ووافقه عليه الشرنبلالي وغيره لا يختلف عليه أحد، وليس هو بموضع نزاع، لكن الظن بابن وهبان أنه لم يقصد الطلب من أي إنسان ليعطي الله، فإن هذا لا يقوله عاقل عرف أبجديات العربية. وكيف يُظن به ذلك وما زال الناس يقولون: (هذه الصدقة لله) و(أحتسب الأمر لله) ونحو ذلك؟! ولا يقصدون أن يعطي الله على الحقيقة، والله عز وجل يقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]. فكيف يخفى على ابن وهبان وغيره من الحنفية أن القرآن جاء بهذا اللفظ؟! فنحن ننزه ابن وهبان من هذا القصد الذي لا يقوله إلا أعجمي لا يعرف العربية، بل كان قصد ابن وهبان هو الطلب من الأولياء شيئًا لله، ولكن ما سبَّب الإشكال أنه لم يذكر (الأولياء) واكتفى بلفظة (شيء لله) بسبب التقيُّد بالنظم والوزن، ولذلك استشكلها ابن الشحنة وغيره، وفهموا أنه يُكفر من يطلب من الأحياء لا من الأولياء.
إلا أن بعض أعداء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهموا مراد المصنف، ثم استغلوا اعتراض المتأخرين على ابن وهبان في تأييد باطلهم، ومن هؤلاء: الشيخ إبراهيم السمنودي وداود ابن جرجيس في (صلح الإخوان)، وقام بعض المعاصرين من محققي كتب الأحناف بالتحشية بكلام السمنودي وابن جرجيس مع أن الأخير ليس حنفيًّا!( [40] ).
ونحن نقول جوابًا على ما سبق:
1- لو فرضنا أن بعض المتأخرين خالفوا ابن وهبان فهذا لا يضر؛ لأن إجماع الأحناف السابق لا ينقضه الخلاف اللاحق، فقد كان غرض ابن وهبان هو حصر وجوه المذهب، ولو أنه يعلم أن هناك من قال بجواز تلك العبارة لذكره في منظومته. إذن هذه العبارة (شيء لله) حتى زمن ابن وهبان كان محكومًا بكفر قائلها أو خشية الكفر عليه، ولا يوجد قول ثالث للمذهب.
بل ذكر العلامة العلامة إبراهيم الحلبي الحنفي (956هــ) -من كبار أئمة المذهب- هذه الأبيات في (مجمع الأبحر) وأقر ابن وهبان عليها، فقال ما نصه: “ويُحكى عن بعض الأسافلة أنه يقول: ما ذُكر من الفتاوى أنه يكفر بكذا وكذا إنه للتخويف والتهديد لا لحقيقة الكفر. وهذا كلام باطل، وحاشا أن يلعب أمناء الله تعالى -أعني علماء الأحكام- بالحلال والحرام والكفر والإسلام، بل لا يقولون إلا الحق الثابت من شريعة سيدنا محمد… -ثم ذكر الحلبي هذه المُكفِّرات ومنها:- ومن قال: شيء لله، بعضٌ يُكفِّر”( [41] ).
2- كذلك: فقهاء الحنفية في بلاد المشرق لم يقبلوا هذه الاعتراضات المتأخرة، وبقوا على مذهب أسلافهم في إنكار تلك العبارة.
قال مفتي الحنفية ببغداد أبو الثناء الآلوسي : “الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل: يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك، وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركا، وإن لم يكنه فهو قريب منه”( [42] ).
وسُئل التهانوي الحنفي الماتريدي -المُلقب عند الحنفية بحكيم الأمة- عن النداء والورد بـ (يا شيخ عبد القادر شيء لله) ونحوها من النداءات، فأجاب: “إنَّ عدم الجواز وعدم نقله عن الأئمة ظاهر، والدليل ظاهرٌ أيضًا، ومنه قوله تعالى: {وَمَن أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِن دُونِ اللهِ مَن لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}”( [43] ).
ويقول القاضي ثناء الله المظهري الحنفي النقشبندي -المُلقب عند الحنفية ببيهقي الوقت-: “بعض الجهال يقولون عند الكربات: (يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئا لله)، ويقول بعضهم: (يا خواجة شمس الدين شيئا لله)، فهذا لا يجوز، بل هو شرك وكُفر ؛ لأن الله تعالى قال: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، فالذين يدعونهم القبورية هم عباد مثلهم، لا قدرة لهم على النفع والضر وإنجاح الحوائج”( [44] ).
وسئل الشيخ عبد الحي اللكنوي الحنفي الماتريدي عن حكم الورد الذي يقوله بعضهم إذا عرضت له حاجة أو ألمت به ملمة، فيقول: (يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله) في عدد مخصوص ومدة معينة، فأجاب: “إن الاحتراز عن مثل هذا الورد لازم. أولا: لأن هذا الورد متضمن كلمة (شيئا لله) وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من قاله. وثانيا: لأن هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة ، لم يثبت شرعا أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة، إنما ثبت سماع الأموات لتحية من يزور قبورهم، ومن اعتقد أن غير الله سبحانه وتعالى حاضر وناظر وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن فقد أشرك، والشيخ عبد القادر وإن كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العد والإحصاء إلا أنه لم يثبت أنه كان قادرا على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين. واعتقاد أنه رحمه الله كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت ويسمع نداءهم من عقائد الشرك ، والله أعلم”( [45] ).
وسئل اللكنوي أيضًا عن رجل ينادي الأولياء ويخاطبهم، فأجاب: “هذا رجل فاسد العقيدة، بل يخشى عليه الكفر، فإن سماع الأولياء للنداء من بعيد ليس بثابت، والعلم الكلي بجميع الجزئيات في جميع الأزمان مختص بالله جل جلاله، وقد قال في الفتاوى البزازية: من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر، انتهى. وذكر فيه أيضا أن من تزوج بشهادة الله ورسوله يكفر؛ لأنه ظنَّ أن الرسول يعلم الغيب، انتهى. والله أعلم”( [46] ).