وقفة تاريخية حول استدلال الأشاعرة بصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهما
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
مقدمة:
يتكرر في الخطاب العقدي المعاصر استدعاء الأعلام التاريخيين والحركات الجهادية لتثبيت الانتماءات المذهبية، فيُستدلّ بانتماء بعض القادة والعلماء إلى الأشعرية أو التصوف لإثبات صحة هذه الاتجاهات العقدية، أو لترسيخ التصور القائل بأن غالب أهل العلم والجهاد عبر التاريخ كانوا على هذا المذهب أو ذاك.
غير أن هذا النمط من الاستدلال يُعدّ مشكلًا من جهة المنهج؛ إذ يخلط بين التوصيف التاريخي المحض والتقويم العقدي القائم على الدليل، كما أنه يُغفل السياقات الزمنية والاجتماعية التي أثّرت في تشكّل الانتماءات العقدية عبر العصور، ويقع في كثير من الأحيان في مغالطة الاحتكام إلى النتائج دون النظر في المقدمات. ولو كان هذا الاستدلال صحيحًا لكان دليلًا على صحة مذهب أهل الحديث؛ فإن الجهاد منذ عهد الصحابة حتى القرن الخامس كان سلفيًّا خالصًا، مثل جهاد السلطان محمود بن سبكتكين حيث فتح الهند وضواحيها، وجهاد الدولة العامرية في الأندلس في عهد الحاجب المنصور، ودولة المرابطين في عهد ابن تاشفين الذين أحرقوا كتب المتكلمين، وكل هؤلاء كانوا أسبق تاريخًا من صلاح الدين الأيوبي أو محمد الفاتح أو غيرهما.
لذا فإن العبرة في العقائد ليست بالأسماء ولا بالأحداث، بل بما ثبت من النصوص الشرعية، وبما عليه السلف من الاعتقاد، وهذا هو الميزان الذي يضبط النظر، ويفصل بين التقدير التاريخي، والتقييم الشرعي؛ ذلك أن الانتماء العقدي في التاريخ كثيرًا ما كان نسبيًّا أو عرفيًّا، وقد يحكمه السياق السياسي أو البيئي، أو مجرد الاصطلاح السائد في ذلك العصر، بل ربما انتسب بعضهم إلى مذهب معين من جهة التعليم أو المنشأ، لا من جهة الاعتقاد المحرَّر الذي يُحاكم عليه.
كما أن كثيرًا من العلماء والأمراء والمجاهدين وقع عندهم قدر من التأثر بالبيئة العقدية أو السياسية التي نشؤوا فيها، مع احتفاظهم بميلهم إلى أهل السنة وأصولهم، أو دعوتهم للإصلاح ضمن الواقع الذي عاشوه.
وهذا ما سيدور الحديث عنه في هذه الورقة العلمية.
مركز سلف للبحوث والدراسات
المطلب الأول: الاستدلال بصلاح الدين الأيوبي:
يستدل بعض المنتسبين إلى الأشعرية في زماننا بأن صلاح الدين الأيوبي كان أشعريًّا، ويعتبرون ذلك دليلًا على صحة اعتقاد الأشعري، وأن الأشاعرة هم أصحاب الجهاد عبر التاريخ؛ بناءً على مكانة صلاح الدين التاريخيىة وكونه محرر بيت المقدس.
ويستدلون على ذلك بما ذكره المقريزي في أسباب انتشار العقيدة الأشعرية في القرون المتأخرة قائلا: “فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعريّ في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة، وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر كان هو وقاضيه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس المارانيّ على هذا المذهب، قد نشآ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدّوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام مواليهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك”( [1] ).
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول:
المقريزي رحمه الله إنما تكلم عن مراحل انتشار مذهب الأشعري وأهم المحطات التي مر بها، وذلك من حيث الإجمال، لا من حيث التفصيل، ولا شك أن صلاح الدين كان سببًا في تمرير مذهب الأشعري في الجملة، لكون مذهب الأشعري ينتسب إليه جماعة العلماء المخالفين لمذهب الفاطميين العبيديين في مصر. فكلام المقريزي صحيح من هذا الوجه.
أما من حيث تفصيل الأمور، وميل صلاح الدين لمعتقد أهل الحديث، فهذه التفاصيل الدقيقة ذُكرت في كتب التواريخ التي سبقت المقريزي، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: يعترف الشيخ محمد زاهد الكوثري أن صلاح الدين كان يوالي الحنابلة على حساب المتكلمين، يقول الشيخ الكوثري: “وكان جماعةٌ من المقادسة الحنابلة ممن وَرثوا بعض آراء ابن كرَّام الذي كان عشَّشَ بالقدس وباض، وترك أصحابًا له متقشفين يتوارثُها منهم مَنْ بعدهم، هاجروا منها لما احتلّها النصارى وحَمَلوا بِدَع التشبيه إلى الشام، وكان بها شيءٌ من تلك البدع من عهد عبد الواحد الشيرازي صاحب أبي يعلى. وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي يَرعَى خاطرهم لكونهم مهاجرين زهادًا، وَيتَغاضى عن معتقدهم، ولم يكن يحمل الناس على المذهب الأشعري كما ظُنّ، بل كان الواعظ ابن نجية الحنبلي المشهور مقربًا عنده ، ومجافاته القاسية مع الإمام الشهاب الطوسي القَائم بنصرة الأشعري بمصر تجري على مَنظَرٍ منه ومَسْمَع ويسكت عن ذلك، بل كاد آلهُ أن ينحازوا إليهم في المعتقد لولا وَقَفة الإمام عز الدين بن عبد السلام في هذه المسألة وَقفَةَ عالم يقوم بواجبه، فتضاءلت أصواتهم وانجَمَعوا في دورهم، واقتصروا على الروايات”( [2] ).
ومما يؤكّد كلام الكوثري ما نقله الحافظ الذهبي في ترجمة ابن نجيَّة: “قال أبو شامة: كان كبير القدر، معظّمًا عند صلاح الدين… وكان له جاه عظيم، وحرمة زائدة، وكان يجري بينه وبين الشهاب الطوسي العجائب لأنه كان حنبليًّا، وكان الشهاب أشعريًّا واعظًا. جلس ابن نجية يوما في جامع القرافة، فوقع عليه وعلى جماعة سقف، فعمل الطوسي فصلا ذكر فيه: فخرّ عليهم السقف من فوقهم. جاء يوما كلب يشقّ الصفوف في مجلس ابن نجية، فقال: هذا من هناك، وأشار إلى جهة الطوسي”( [3] ).
فوجود هذا الفقيه الحنبلي -المُنكر على الأشاعرة- من فقهاء البلاط عند صلاح الدين مع دراية صلاح الدين بالخلاف بينه وبين الأشاعرة؛ فيه دلالة أن صلاح الدين لم يكن أشعريًّا صرفًا، أو على الأقل: لم يكن يحمل الناس على عقيدة بعينها.