شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفة تاريخية حول استدلال الأشاعرة بصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهما

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

ولعل السبب في تغاضيه عن عقائد الحنابلة أن هناك علاقة قديمة بين أسرة صلاح الدين والحنابلة تعود إلى زمن المجاهد نور الدين محمود زنكي الذي توطّدت علاقته بالشيخ أحمد ابن قدامة وأسرته، وكان يقول: “هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وأنا أزوره لأنتفع به”( [4] ).

ويقول الحافظ ابن كثير في ترجمة أبي عمر المقدسي:”وكان هو وأخوه وابن خالهم الحافظ عبد الغني وأخوه الشيخ العماد لا ينقطعون عن غَزاة يخرج فيها الملك صلاح الدين إلى بلاد الفرنج، وقد حضروا معه فتح القدس الشريف وغيرها”( [5] ).

الوجه الثاني:

أن ابن درباس الماراني -وهو قاضي القضاة الذي ولاه صلاح الدين الأيوبي القضاء كما ذكر البدر العيني( [6] ) وغيره- له رسالة بعنوان: (رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري)، صحح فيها نسبة كتاب (الإبانة) إلى أبي الحسن، وهاجم فيها متكلمي الأشعرية، وكان غرضه الرد على طائفتين: غلاة الحنابلة ممن يبدّعون الأشعري، ومتكلّمي الأشعرية ممن نفوا هذا الكتاب، وهو يسمّيهم بالجهمية.

فكان مما قاله ابن درباس ذامًّا متأخري الأشعرية: “ولقد عرضها بعض أصحابنا -يعني: الإبانة- على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراءً إلى أبي الحسن الأشعري ببيت المقدس، فأنكرها وجحدها، وقال: ما سمعنا بها قط، ولا هي من تصنيفه، واجتهد آخِرًا في إعمال روايته ليزيل الشبهة بفطنته، فقال بعد تحريك لحيته: لعله ألّفها لما كان حشويًّا، فما دريت من أيّ أمريه أعجب: أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في التصانيف مع العلماء، أو من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها؟! وشبَّهتُ أمره في ذلك بحكاية أنبأناها الإمام أبو طاهر أحمد بن محمد السِّلفي الحافظ رحمه الله قال: فإذا كانوا بحال من ينتمون إليه بهذه المثابة يكونون بحال السلف الماضي وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وأعلام الفقهاء والمحدثين، وهم لا يلوون على كتبهم ولا ينظرون في آثارهم ، وهم والله بذلك أجهل وأجهل، كيف لا وقد قنع أحدهم بكتاب ألّفه الجهمية بعض من ينتمي إلى أبي الحسن بمجرد دعواه ، وهو في الحقيقة مخالفة لمقالة أبي الحسن التي رجع إليها واعتمد في تديّنه عليها، قد ذهب صاحب ذلك التأليف إلى المقالة الأولى وكان خلال ذلك أحرى به وأولى، لتستمر القاعدة وتصير الكلمة واحدة”( [7] ).

فتأمّل ذمَّ ابن درباس لمتأخري الأشعرية ووصفه لهم بالجهمية مرارًا -مع كونه أشعريًّا مثلهم من حيث الانتساب المجمل- ولكنه معتدِل ويُرجّح مذهب أهل الحديث.

الوجه الثالث:

كان متقدمو الأيوبيين على اعتقاد (الإبانة) لأبي الحسن الأشعري، ويميلون إلى أهل الحديث، وقد حدثت فتنة بين الحنابلة والأشاعرة في زمن الملك الأشرف في مسألة الحرف والصوت في زمن العز بن عبد السلام، فلما سمع من الطرفين وجد أن حجة الحنابلة أقوى، ووقف بجانبهم.

ويعترف السبكي بذلك قائلًا: “وقال -أي: العز بن عبدالسلام-: الذي نعتقد في السلطان أنه إذا ظهر له الحقُّ يرجِع إليه، وأنه يُعاقِب من موَّهَ الباطلَ عليه، وهو أَولى الناس بموافقة والده السلطان الملك العادل -تغمَّده الله برحمته ورضوانه-“( [8] ).

وقد رد عليه السلطان الأشرف بجوابٍ شديد اللهجة، فقال: “ونحن فنتبع ما عليه الخلفاء الراشدون الذين قال في حقهم: « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي » ، وعقائد الأئمة الأربعة فيها كفاية لكل مسلم يغلب هواه ويتبع الحق ويتخلص من البدع، اللهم إلا إن كنت تدّعي الاجتهاد فعليك أن تثبت ليكون الجواب على قدر الدعوى لتكون صاحب مذهب خامس، وأما ما ذكرته عن الذي جرى في أيام والدي -تغمده الله برحمته- فذلك الحال أنا أعلم به منك…”.

ثم نقل السبكي أمر السلطان بالإمساك عن الخوض في هذه المسائل، ثم قال: “ولم يزل الأمر مستمرًّا على ذلك إلى أن اتَّفق وصول السلطان الملك الكامل رحمه الله إلى دمشق من الديار المصرية، وكان اعتقاده صحيحًا، وهو من المتعصبين لأهل الحق، قائل بقول الأشعري رحمه الله في الاعتقاد… فعند ذلك ذلَّتْ رِقابُ المبتدعة، وانقلبوا خائبين، وعادوا خاسئين، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: 25]، وكان ذلك على يد السلطان الملك الكامل رحمه الله”( [9] ).

ومن المفارقات أن الملك الكامل -الذي يمدحه السبكي لأنه فرض الأشعرية قسرًا- هو نفسه الذي قام بتسليم بيت المقدس إلى الصليبيين وفق معاهدة مخزية تُسمّى (معاهدة يافا) التي عُقدت ما بين الملك الكامل والإمبراطور الألماني فريدريك الثاني( [10] ).

ومن جميع الدلائل السابقة يمكن استخلاص أن أمر العقيدة الأشعرية لم يكن راسخًا عند صلاح الدين الأيوبي ومن جاء بعده من الأمراء، بل كانوا أشاعرة على مذهب أبي الحسن الأشعري نفسه، أو متعاطفين مع الحنابلة -بشهادة علماء الأشاعرة أنفسهم-، بل وبعض الأيوبيين اعتنق مذهب الحنابلة فعلًا مثل الملك الأشرف، حتى جاء الملك الكامل وتعصَّب للأشعرية بشكلٍ صريح، وهذا بصريح كلام السبكي ومنطوقه.

ثناء ابن تيمية وابن القيم على صلاح الدين ومجمل اعتقاده:

من أبرز ما يدلّ على صحة مُجمل اعتقاد صلاح الدين وولاة الأيوبيين الأوائل ثناء شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، لا سيما في سياق ذكرهم لجهود الإصلاح العقدي، ومقاومة الفرق الضالة ورفع راية الإسلام والسُنة، ويكتسب هذا الثناء أهمية خاصة لأن هذين الإمامين عاشا في عصرٍ قديم لا تحكمه العواطف، ولم يكن فتح بيت المقدس يُطرح في تلك الأزمنة كدعاية مذهبية كما هو في زماننا الآن.

وقد دلّت نصوص متعدّدة لابن تيمية وابن القيم على ثنائهما الواضح على صلاح الدين الأيوبي من جهة الدين والمعتقد، لا لمجرد بلائه في الجهاد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية