وقفة تاريخية حول استدلال الأشاعرة بصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهما
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
ولذلك كانت عصور الصحابة والتابعين من أزهى عصور النصر والتمكين؛ لما حملوه من قوة الإيمان وصحة العقيدة، ثم ضعف المسلمون شيئًا فشيئًا وتسلطت عليهم الأعداء لما دخلت البدع والأهواء في ديار المسلمين.
وفي ذلك يقول ابن تيمية: “فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء، فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة وأخذوا الثغور الشامية شيئا بعد شيء إلى أن أخذوا بيت المقدس فى أواخر المائة الرابعة… وكان بعض الشيوخ يقول: هو -أي: هولاكو- للمسلمين بمنزلة بختنصر لبني إسرائيل، وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق والبدع حتى إنه صنف الرازى كتابا فى عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر سماه: (السر المكتوم فى السحر ومخاطبة النجوم)، ويقال: إنه صنفه لأم السلطان علاء الدين محمد بن لكش بن جلال الدين خوارزم شاه”( [41] ).
إذن يُفهم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن ضعف المسلمين وتسلط الأعداء كان بسبب الفساد العقدي في المقام الأول.
لماذا ينتصر بعض من تلبّس ببدع في العقيدة؟
قد يُثار تساؤل: إذا كانت صحة العقيدة من أعظم أسباب النصر والتمكين، فكيف نفسر انتصار بعض الدول الإسلامية في ظل وجود انحرافات عقدية، كما في موقعة الأرك في عهد دولة الموحدين، أو بعض انتصارات الدولة الأيوبية؟ أليس هذا تناقضًا مع ما يُقال من أن التوحيد والعقيدة السليمة هما أساس النصر الرباني؟!
هذا الإشكال شائع عند بعض المعاصرين، لكنه مبنيّ على مغالطة في الفهم، ويمكن الجواب عنه من جهات ثلاث:
أولًا: المسلم المبتدع لا يخرج من الملة، والنصر قد يُمنح له بقدر إسلامه:
المبتدع -ما دام في دائرة الإسلام- يبقى معه أصل الإيمان، وقد يُجاهد ويُخلص في نصرة الدين، فيُؤتى من النصر بقدر ما معه من الإسلام، لا بقدر بدعته. والنصر في هذه الحالة لا يدل على صحة المعتقد، بل قد يكون نتيجة أخذ الأسباب الدنيوية، والتفوق العسكري، أو حتى تراخي العدو.
فقد ينتصر المسلم المبتدع كما ينتصر المسلم العاصي، لا لذاته، بل بما معه من الحق تارة، وبما بذله من الأسباب والتفوق العسكري على خصمه تارة أخرى.
وإذا كان الكافر قد ينتصر على كافر مثله إذا امتلك أدوات القوة، فكيف بالمسلم الموحِّد وإن كان عنده بدعة؟!
ثانيًا: هذه الانتصارات غالبًا ما تكون جزئية، لا انتصارات شاملة:
الانتصارات التي وقعت في عصور انتشار البدع لم تكن حاسمة، بل كانت محدودة الأثر والنتائج بقدر دينهم، سرعان ما أعقبها الانكسار.
ففي موقعة الأرك انتصر الموحدون على الإسبان انتصارًا ظاهريًّا، لكن لم تلبث الدولة أن تفككت وسقطت، وتلاشت بعدها مدن الأندلس مدينة تلو الأخرى، حتى لم يبق منها إلا غرناطة.
وكذلك انتصارات صلاح الدين الأيوبي -رغم ما بينَّاه من اعتداله في المعتقد-، فقد كان نصـرًا جزئيًّا، إذ ظلّت معاقل الصليبيين قائمة في الشام، ولم تُستأصل إلا بعد قرن تقريبًا في عهد السلطان السلفي الناصر محمد بن قلاوون، تحت راية شيخ الإسلام ابن تيمية.
بل إن بيت المقدس نفسه أُعيد تسليمه إلى الصليبيين في عهد الملك الكامل الأيوبي -ابن أخي صلاح الدين- ضمن اتفاقية مخزية تُعرف في التاريخ بـ(اتفاقية يافا) مع الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني( [42] )، ولم يُسترد إلا بتدخل جيش الخوارزميين لاحقًا.
وهذا يُظهر أن تلك الانتصارات كانت بقدر ما معهم من الإسلام، وليس كما في عصور صدر الإسلام أو العصور السلفية المحضة، بل كانت اجتهادات جزئية صادفت توفيقًا مرحليًّا، ولم تصمد طويلًا أمام تقلبات التاريخ.
ثالثًا: قد يقع الخطأ عن تأويل واجتهاد، لا عن عناد ومكابرة:
كثير من القادة والعلماء الذين نُسبوا إلى بعض البدع العقدية لم يتبنّوها عنادًا للحق، وإنما بسبب التأويل أو الجهل أو التقليد، بل كانوا يظنون أن ما هم عليه هو مذهب أهل السنة والجماعة، كما هو الحال مع صلاح الدين، وبعض قادة دولة الموحدين في المغرب.
وهذا التأويل يُرجى أن يكون سببًا في العذر والمغفرة، خاصة إذا اقترن بتحرّي الحق، وصدق النية، وبذل الجهد في نصرة الدين.
وخلاصة القول: أن الميزان العادل في فهم سنن النصر والتمكين أن يُقال:
من نصر الدين بصدق وإخلاص أعطي من النصر بقدر ما معه من الحق، وقد يُغفر له ما أخطأ فيه إن كان عن اجتهاد وتأويل. أما صحة العقيدة فهي أساس النصر الرباني والتمكين الدائم، وأيُّ نصرٍ يتحقق في غيابها يبقى نسبيًّا وعابرًا، لا يلبث أن يتبدد كما يشهد بذلك التاريخ.
ولذلك فإن من الخطأ الفادح أن تُجعل بعض انتصارات التاريخ دليلًا على صحة معتقدٍ بعينه وبطلان ما سواه، كما يفعل بعض المنتسبين للأشعرية أو التصوف اليوم، حين يزعمون أن “جميع المجاهدين أشاعرة”، أو “جميع العلماء كانوا متكلمين”، ثم يبنون على ذلك صحة المنهج أو بطلان السلفية.
فهذه استدلالات عاطفية وليست علمية، وإنصافُ التاريخ يقتضي التفريق بين البيان العقدي المبني على النصوص، والوصف التاريخي المبني على الواقع والوقائع.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه سلم.
ــــــــــــــــــــــ
(المراجع)
([1]) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (4/ 192).
([2]) مقدمات الكوثري على تبيين كذب المفتري (ص: 65).
([3]) سير أعلام النبلاء (21/ 394).
([4]) ينظر: تاريخ الإسلام، الذهبي (11/ 863).
([5]) البداية والنهاية (17/ 21).
([6]) انظر: عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان (1/ 62).
([7]) رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري (ص: 131).
([8]) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 230).
([9]) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 238).
([10]) انظر: النويري (29/ 150)، والمقريزي (1/ 354).
([11]) مجموع الفتاوى (28/ 530).
([12]) مجموع الفتاوى (28/ 643).
([13]) منهاج السنة (8/ 24).
([14]) المنار المنيف (ص: 154).
([15]) الصواعق المرسلة (3/ 1076).
([16]) مجموع الفتاوى (6/ 359).
([17]) صحيح مسلم (2920) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([18]) المصدر السابق.
([19]) صحيح مسلم (2897).
([20]) رواه مسلم (2920) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.