شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفة تاريخية حول استدلال الأشاعرة بصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهما

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

إن الحركة السنوسية التي ظهرت في القرن وقاومت الاستعمار الفرنسي والتي طالما تترس بها الخرافيون وافتخروا بها لم تكن على طريقة هؤلاء من الغلو والبدع، بل هي محسوبة من جملة الحركات الإصلاحية، حتى وإن انتسبت إلى التصوف إجمالًا متأثرة بواقع زمانها، فقد تأثر السنوسي بشيخه أحمد بن إدريس الفاسي وهو من المتصوفة المجددين دعا إلى تنقية التصوف من الشركيات والعودة إلى الكتاب والسنة -كما سيأتي-، وقد كانت السنوسية في ذلك مقتفيةً أثر دولة المرابطين الذين كانوا ينتسبون إلى أهل الأثر، ويُجانبون المتكلمين، مع انتسابهم للتصوف المعتدل.

يقول عباس محمود العقاد: “ولا تبيح السنوسية الغلو في تقديس المشايخ الأحياء أو الأموات، ولا تأذن لأتباعها أن يذكروا ميتًا عند قبره بغير الدعاء له، والترحم عليه، لكنها لا تمنع من اللياذ بالمقامات للعظة والتبرك، وشرعتها في ذلك أنها نشأت حيث كانت مقامات المرابطين من عهد الأندلس، فأرادت أن تجددها، ولا تُشعر أهل الصحراء بالتقحم عليها”( [34] ).

ويؤكّد المؤرخ المصري الكبير د. حسن إبراهيم حسن (1892-1968م) أن الحركة السنوسية “يُعلِّمون الناس أوامر القرآن والسنة الشريفة وأصول التوحيد، ويُحرمون التضرع للأولياء، ويُربون الناس على أن يكون التعبد لله وحده”( [35] ).

وذكر بعض المؤرخين اعتمادهم على عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في الدرس العقدي( [36] ).

وتؤكد “الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب” أن السنوسية “حركة صوفية معتدلة تأثرت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وخلا تصوفها من الشركيات والخرافات”( [37] ).

والجدير بالذكر أن الشيخ السنوسي تعرض لهجوم الشيخ عليش المالكي، بسبب دعوته لفتح باب الاجتهاد، حيث خرج السنوسي عن المذهب المالكي في مسائل رآها توافق الكتاب والسنة، وقد ذكر الشيخ محمد عبده في كتابه “الإسلام والنصرانية” أن السنوسي تعرض للقتل بسبب دعوته تلك، وخرج من القاهرة متخفيًا بسبب ذلك( [38] ).

وزيادة على ذلك يذكر المؤرخون أن علماء مكة -التي كانت تحت السلطنة العثمانية- ضيقوا على شيخه أحمد بن إدريس لما رأوا منه ما لا يتفق على ما اعتادوا عليه، حتى عدوه مبتدعًا! فاضطر إلى السفر هو وتلميذه السنوسي إلى منطقة (صبيا العسير) التي كانت تحت سلطان ابن سعود آنذاك( [39] ).

وتأثرُ السنوسي وشيخه بالوهابية ليس أمرًا غريبًا، فقد ذكر مؤرخ الصوفية السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف أن صوفية في هذه المناطق آنذاك قد تأثروا بالدعوة الوهابية مع بقائهم على التصوف.

يقول المؤرخ السقاف: “ومن هذا أنه قد أخذ الجماعة كلهم -يعني الصوفية- عن السيد أبي بكر بن هندوان وهو وهابيٌّ قحّ، وتبيّنتُ أن عند مولانا شيخ الوادي الحسن بن صالح مِسحة من تلك الآراء بغاية الاعتدال؛ لموافقتها لِما هو فيه استغراقٌ في تجريد التوحيد وعدم التفاته إلى غير العزيز الحميد. ولا يُشكل ما في (بغية المسترشدين) عن فتاوى سيدي الحبيب علوي السقاف الجفري من جواز التوسل؛ لأنه إنما يُبيح منه ما لا يوهم القدح في التوحيد”( [40] ).

وليس المقصود هنا الاستقصاء التاريخي لبيان منهج السنوسي، فمن يُريد الاستزادة فعليه بمراجعة تاريخ الحركة من مظانها، ولكن المقصود إثبات أن الحركة السنوسية كانت حركة إصلاحية، برغم تأثرها بالتصوف الذي كان سِمةً عامة لأهل تلك الفترة.

بل حتى بعض السلفيين آنذاك تأثروا بالبيئة المحطية، فولي الله الدهلوي وآل الآلوسي قد انتسبوا إلى التصوف مع ما عُرف عنهم من نضال إصلاحي وإنكار شرك القبور، بل وترجيح مذهب ابن تيمية في القضايا الكلية، وكذلك العلامة الجمال القاسمي مع كونه من أهم رموز الحركة الإصلاحية آنذاك، فضلًا عن أكثر أهل القرون السابقة لهم ممن عرفوا بسلامة العقيدة كابن المبرد الحنبلي والسفاريني وغيرهما.

فينبغي التنبه لهذه النكتة، وهو أن التصوف كان طبيعة أهل تلك العصور المتأخرة، لكن التصوف درجات -كما لا يخفى-، فقد يقتصر المرء على الزهد في أمور الدنيا ويسمي ذلك تصوفًا، وقد يكتفي بالانتساب إلى طريقة تشرفًا بها وفق العوائد والتقاليد المتبعة آنذاك، ثم هو يتحرى العمل بالكتاب والسنة. وقد يقع في شيءٍ -قليل أو كثير- من البدع بنوع تأويل.

والمقصود: أن انتساب السنوسية للتصوف إجمالًا لا يلغي كلام زعماء الإصلاح -كابن باديس وغيره- أن الصوفية كانوا أعوانًا للفرنسيين، وذلك لأنهم اعتبروا السنوسية حركة معتدلة ومن جملة الحركات الإصلاحية.

وفي النهاية ليس الغرض من هذا البيان اجتذاب جميع القادة والمجاهدين إلى السلفية، ولا التكلّف في نفي الانتساب الأشعري والصوفية عن بعض الشخصيات -كما قد يظن البعض- وإنما المقصود هو البيان التاريخي المجرد والإنصاف العلمي وفقًا لقاعدة: «ثبّت العرش ثم انقش»؛ أي: اعرض الحقائق كما هي أولًا، ثم ابنِ عليها رؤيتك.

لكن ومع ذلك فربط صحة العقيدة بانتساب مجاهد أو عالم لمذهب معين هو من جنس الاستدلال العاطفي، لا الاستدلال العلمي. فالميزان في أبواب الاعتقاد هو ما دل عليه الكتاب والسنة، وما أجمع عليه السلف الصالح، لا ما يُشاع من دعاوى مثل: (فلان مجاهد إذًا مذهبه حق).

وهذا النمط من الاستدلال العاطفي الذي يتبناه بعض الأشاعرة المعاصرين لا يصح في ميزان التحقيق، بل هو مغالطة تُستخدم لتثبيت الانتماء، لا لتقرير الحقائق.

المطلب الرابع: ربط التمكين في الأرض بصحة العقيدة:

مما لا شك فيه أن صحة العقيدة من عوامل النصر والتمكين، قال تعالى: }وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55[.

ففي الآية الكريمة علَّق الله تبارك وتعالى الاستخلاف والتمكين على الإيمان، ولا شك أن الإيمان لا بد وأن يكون موافقًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية