اختلاف أهل الحديث في إطلاق الحدوث والقدم على القرآن الكريم -قراءة تحليلية-
مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
مقدمة:
يُعَدّ مبحث الحدوث والقدم من القضايا المركزية في الخلاف العقدي، لما له من أثر مباشر في تقرير مسائل صفات الله تعالى، وبخاصة صفة الكلام. غير أنّ النظر في تراث الحنابلة يكشف عن تباينٍ ظاهر في عباراتهم ومواقفهم من هذه القضية، حيث منع جمهور السلف إطلاق لفظ المحدث على القرآن، بينما أجازه آخرون، وتجاوز بعض من جاء بعد القرن الرابع ووصفوا القرآن بالقدم، وهذا التباينُ لم يكن دائمًا ناشئًا عن خلاف حقيقي في المضمون، بل كثيرًا ما كان مردّه إلى اختلاف الألفاظ والاصطلاحات، أو إلى تنوع الأعراف العلمية التي انتهجها كلّ عالم في بيئته ومقامه.
وقد ترتب على هذا التفاوت أن صارت نصوص الحنابلة تُوهم -عند القراءة المتأخرة- مذاهب متعارضة، وربما نُسب إليهم ما لم يقصدوه، أو ما لم يُحرروه بدقة، الأمر الذي جعل تحرير مذهبهم المعاصر مسألة شائكة تتطلب جمعًا دقيقًا لمصطلحاتهم، وتمييزًا بين الخلاف اللفظي والخلاف الحقيقي. وقد حاول ابن تيمية أن يُعيد صياغة المذهب بعبارة أصولية جامعة، تُبرز وِحدة الاتجاه الحنبلي في أصوله، وإن تفرقت تعبيراته في مظانه المختلفة.
لذلك رأى مركز سلف للبحوث والدراسات الحاجة إلى بيان ملامح هذا التباين في تراث الحنابلة وأهل الحديث، والكشف عن أثره في إرباك التصورات المعاصرة، وتحقيق مقاصدهم بعدلٍ وإنصاف، ومحاولة لردّ عباراتهم المتناثرة إلى أصولها الكلية.
مركز سلف للبحوث والدراسات
المبحث الأول: اختلاف أهل الحديث في إطلاق لفظ الحدوث على آحاد أفعال الله:
شَكَّل مصطلح «الحدوث» واحدًا من المصطلحات الإشكالية التي أثارت جدلًا واسعًا بين علماء أهل السنة، خاصة فيما يتعلّق بجواز إطلاقه على القرآن الكريم، لما في هذا الإطلاق من تداخلات لغوية وعقائدية دقيقة قد توهم القول بخلق القرآن، وهو قول مرفوض عند السلف، ويُعَد مِن أصول عقيدة أهل السنة التي خالفوا فيها المعتزلة.
وقد تضافرت نصوص السلف على منع إطلاق لفظ «الحدوث» على القرآن الكريم، واعتُبر ذلك من العبارات الموهمة التي تؤول إلى القول بخلق القرآن، وهو ما أوجب عند جمهورهم تكفير القائل به.
ومما يدل على ذلك ما نُقل عن الحارث بن عمير -والذي أقره وصدقه عليه الفضيل بن عياض-:«من زعم أن القرآن محدث فقد كفر، ومن زعم أنه ليس من علم الله فهو زنديق» ( [1] ) ، وقال الإمام وكيع بن الجراح -وهو أحد كبار أئمة السلف-: «من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث، ومن زعم أنه محدث فقد كفر»، فلما قيل له: إن فلانًا يقول: إن القرآن محدث؛ قال مستنكرًا: «سبحان الله! هذا كفر» ( [2] ) .
وهذا الموقف يتكرر لدى إمام آخر من أئمة السنة وهو الإمام أحمد بن حنبل، حيث نقل عنه الحافظ الذهبي -من طريق أبي إسماعيل السلمي الترمذي- أنه قال: «من قال القرآن محدث فهو كافر» ( [3] ) .
غير أن هذه النقول الظاهرة في تكفير القائل بحدوث القرآن تحتاج إلى تدقيق وفهم سياقي، وهو ما قام به عدد من العلماء الذين حاولوا تفسيرها وبيان حدودها، دفعًا لاحتمال التباس المعنى.
وفي هذا السياق يقول حرب الكرماني -وهو من أبرز رواة أقوال السلف في العقيدة- ما يوضح هذا الإشكال، فيروي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: «من قال: إن القرآن (محدث) على معنى (مخلوق)؛ فهو كافر باللَّه الغني العظيم» ( [4] ) .
وهذا القيد الذي أورده إسحاق والذي أكّده آخرون من السلف يُعد مفتاحًا مهمًّا لفهم أقوال التكفير. فالتكفير لا يتوجّه بمجرد القول بـ«الحدوث» إلا إذا أُريد به (الخلق) والانفصال عن ذات الله. أما إذا لم يُرد هذا المعنى، بل أُريد به أن القرآن غير أزلي بقدم ذات الله، ولكنه غير مخلوق؛ فإن الأمر يخرج من حد التكفير إلى دائرة البدعة أو الخطأ في التعبير.
ويُعزّز هذا الفهم ما جرى من الإنكار على داود بن علي الظاهري حيث قال: «القرآن محدث غير مخلوق» ( [5] ) .
وعبارة داود الظاهري تجمع بين وصفين قد يبدوان متضادين بادي الرأي؛ مما استدعى الرد عليه مِن قِبَل الإمام أحمد بن حنبل كما ورد في كلام أبي بكر المروذي، قال: قال أبو عبد اللَّه: «من داود بن علي الأصبهاني؟! لا فرَّج اللَّه عنه، جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري أن داود الأصبهاني قال كذبا: إن القرآن محدث» ( [6] ) .
بل حتى لَمَّا قَدِمَ داود إلى بغداد، وجاء ليعتذر لأحمد بن حنبل عما بلغه عنه من سوء فهم لمقالته، وكانت بَيْنَهُ وبين صالح وعبد الله ابني أحمدَ بن حنبل مودة، فتوسطا لإدخاله على أبيهما؛ قال لهما أحمد: هذا قد كتب إلي محمد بن يحيى النيسابوري في أمره أنه زعم أن القرآن محْدَث؛ فلا يقربني. قال صالح: يا أبت، إنه يَنْتَفِي مِن هذا ويُنْكِرُه، فقال أحمد: محمد بن يحيى أصدق منه، لا تأذن له في المصير إليَّ. وفي رواية: لا تقبل قَوْلَ عدوِّ اللهِ، أو نحو ما قال ( [7] ) .
وقد بيّن ابن تيمية وجه إنكار أحمد على داود فقال: «طوائف الكلابية والأشعرية وطوائف من أهل الفقه والحديث والتصوف يقولون: (المحدث هو المخلوق في غيره) لا يسمون مُحْدَثا إلا ما كان كذلك، فهؤلاء كلهم يقولون: من قال: إنه محدث؛ كان معنى قوله: إنه مخلوق، ولزمه القول بأنه مخلوق. فهو أحد الوجهين للإنكار على داود الأصبهاني وغيره ممن قال: (إنه محدث)، وأطلق القول بذلك، وإن كان داود وأبو معاذ ( [8] ) وغيرهما لم يريدوا بقولهم: (إنه محدث) أنه بائن عن الله كما يريد الذين يقولون: (إنه مخلوق)، بل ذهب داود وغيره ممن قال: (إنه محدث وليس بمخلوق) من أهل الإثبات أنه هو الذي تكلم به، وأنه قائم بذاته ليس بمخلوق منفصل عنه، ولعل هذا كان مستند داود في قوله لعبد الله: أحب أن تعذر بي عنده، وتقول له: ليس هذا مقالتي، أو ليس كما قيل لك، فإنه قد يكون قصد بذلك أني لا أقول: إنه محدث بالمعنى الذي فهموه وأفهموه وهو أنه مخلوق، وليس هذا مذهبي» ( [9] ) .