شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

اختلاف أهل الحديث في إطلاق الحدوث والقدم على القرآن الكريم -قراءة تحليلية-

مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف

ثم تناول ابن تيمية المسألة بعمق اصطلاحي وسياقي، مُوضحًا الخلفية الاصطلاحية التي دفعت أهل الحديث إلى رفض إطلاق الحدوث، فقال: «وكانوا -يعني: أهل الحديث- لا يعرفون للمحدث معنى إلا المخلوق المنفصل، فعلى هذا الاصطلاح لا يجوز عند أهل السنة أن يقال: (القرآن محدث)، بل من قال: (إنه محدث) فقد قال: (إنه مخلوق). ولهذا أنكر الإمام أحمد هذا الإطلاق على داود لما كتب إليه أنه تكلم بذلك، فظن الذين يتكلمون بهذا الاصطلاح أنه أراد هذا، فأنكره أئمة السنة، وداود نفسه لم يكن هذا قصده، بل هو وأئمة أصحابه متفقون على أن كلام الله غير مخلوق، وإنما كان مقصوده أنه قائم بنفسه؛ وهو قول غير واحد من أئمة السلف، وهو قول البخاري وغيره. والنزاع في ذلك بين أهل السنة لفظي». ثم يقول ابن تيمية بشكل صريح: «فإنهم متفقون على أنه ليس بمخلوق منفصل، ومتفقون على أن كلام الله قائم بذاته، وكان أئمة السنة -كأحمد وأمثاله والبخاري وأمثاله وداود وأمثاله وغيرهم- متفقين على أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، فإن داود وأكابر أصحابه كانوا من المثبتين للصفات على مذهب أهل السنة والحديث» ( [10] ) .

وهنا يبيّن ابن تيمية أن سبب الخلاف هو اختلاف الاصطلاح لا اختلاف الاعتقاد، فلفظة «المحدث» قد تحمل عند البعض معنى (المخلوق)، بينما يقصد بها آخرون معنى لا يتضمن الخلق، بل يشير إلى قيام الكلام بالله تعالى، وأنه حادث بمعنى تعلقه بالمشيئة والإرادة دون أن يكون مخلوقًا.

المبحث الثاني: استجازة بعض أهل الحديث إطلاق لفظة الحدوث على أفعال الله:

رغم منع جمهور السلف وأهل الحديث من إطلاق لفظة «الحدوث» على أفعال الله، إلا أن بعض أهل الحديث تَجَوَّزوا في إطلاق هذه اللفظة، لا على جهة القول بخلق الصفات، بل على وجه يثبت الفعل الاختياري والتجديدي في صفات الفعل دون تشبيه ولا تمثيل، ومن أبرز هؤلاء الأئمة:

♦ محمد بن إسماعيل البخاري:

قال البخاري في كتاب التوحيد من «صحيحه»: (باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَومٍ هُوَ فِي شَأنٍ﴾ [الرحمن: 29]، وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: 2]، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: 1]، وأن حَدَثَه تعالى لا يُشبه حَدَث المخلوقين، قال ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يُحدث مِن أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة») ( [11] ) .

فقد أثبت البخاري أن لله حَدَثًا لا يُشْبِه حَدَثَ المخلوقين، وذكر أنَّ حَدَثَه تعالى لا يُشْبِه حَدَثَ المخلوقين، ومحاولة تأويل كلامه بأنه يقصد حَدَث الله -أي: خلقَ الله- هو تكلف ظاهر يأباه السياق؛ لأنه ضرب مثالًا على تجدد الأمر في قوله: (يحدث من أمره ما يشاء)، ومعلوم أن الأمر ليس شيئًا حسيًّا، فقطع بذلك الطريق على من يتكلف في تأويل كلامه، كما أن نفيه التشبيه بين حدث الله وحدث المخلوقين دليل على إثباته لله على وجه يليق به.

وهذا فهم ظاهر واضح لا يناله التأويل، وقد فهم هذا حتى من يقول بقول المتكلمين، واستعظموا كلام البخاري، لكن لم يُبدّعوه لمكانته في الإسلام.

قال بدر الدين العيني الحنفي: «فأثبت أنه محدث، وهو من صفاته ولم يزل بجميع صفاته، وقال ابن التين: هذا منه عظيم، واستدلاله يردّ عليه؛ لأنه إذا كان لم يزل بجميع صفاته وهو قديم فكيف تكون صفته محدثة وهو لم يزل بها؟! إلا أن يريد أن المحدث غير المخلوق، كما يقوله البلخي ومن تبعه، وهو ظاهر كلام البخاري، حيث قال: (وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين)، فأثبت أنه محدث، ثم قال الداودي نحو ما ذكره في شرح قول عائشة: (ولشأني أحقر من أن يتكلم الله فِيَّ بأمر يُتلى)، قال الداودي: فيه أن الله تعالى تكلم ببراءة عائشة حين أنزل فيها، بخلاف قول بعض الناس: إنه لم يتكلم، وقال ابن التين أيضًا: هذا من الداودي عظيم؛ لأنه يلزم منه أن يكون الله متكلمًا بكلام حادث فتحل فيه الحوادث» ( [12] ) .

بل قبله ابن بطال قال في شرحه: «غرض البخاري الفرق بين وصف كلام الله تعالى بأنه مخلوق وبين وصفه بأنه محدث، فأحال وصفه بالخلق وأجاز وصفه بالحدث اعتمادًا على الآية، وهذا قول بعض المعتزلة ( [13] ) وأهل الظاهر، وهو خطأ» ( [14] ) .

ومعظم شراح البخاري تقريبًا نسبوا البخاري إلى هذا المذهب، ولم يوافقوه، وأما

ابن حجر رحمه الله فقد آثر توجيه كلام البخاري، ورد على شراح الصحيح.

قال ابن حجر: «وأما ما نقله ابن بطال عن المُهلب ففيه نظر؛ لأن البخاري لا يقصد ذلك ولا يرضى بما نُسب إليه؛ إذ لا فرق بين مخلوق وحادث لا عقلًا ولا نقلًا ولا عرفًا» ( [15] ) .

وكلام ابن حجر فيه نوع تكلُّف، لذلك قد تعجَّب من صنيعه الكشميري الحنفي، لأن وضوح مراد البخاري يغني عن هذا التكلُّف.

قال محمد أنور شاه الكشميري الحنفي رادًّا على الحافظ ابن حجر: «وهذا إنما نشأ من عدم اطلاعه -أي: ابن حجر- على اصطلاح القدماء، فإن المخلوق عندهم هو المحدث المنفصل، أما إذا كان قائمًا لفاعله فلا يقال له: إنه مخلوق، وهذا عين اللغة، فإنك تقول: قام زيد، وقعد عمرو، ولا تقول: خلق زيد القيام وخلق عمرو القعود، وذلك لأن القيام والقعود، وإن كان حادثَين، إلا أنهما ليسا منفصلين عن زيد وعمرو، فالشيء إذا قام بفاعله فهو حادث غير مخلوق. والعجب من الحافظ حيث خفِيَ عليه هذا الاصطلاح الجلي، فإن بين اللفظين بونًا بعيدًا» ( [16] ) .

وقال في موضع آخر: «إن الله تعالى متصف بالنزول ولا يقال: إنه خالق له، وإليه جنح البخاري رضي الله عنه، وصرح أن الله تعالى متصف بصفات حادثة، غير أن الشارحين أوَّلوا كلامه» ( [17] ) .

♦ ابن قتيبة الدينوري:

وممن تابعوا البخاري وفرَّقوا بين (المخلوق) و(الحادث): ابن قتيبة رحمه الله، فقد قال: «المُحْدَث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق، فإنْ أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: 1]: إنه يخلق! وكذلك قوله: ﴿لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا﴾ [طه: 113] أي: يحدث لهم القرآنُ ذكرًا. والمعنى يجدد عندهم ما لم يكن» ( [18] ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية