اختلاف أهل الحديث في إطلاق الحدوث والقدم على القرآن الكريم -قراءة تحليلية-
مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف
يقول ابن تيمية عن القرآن: «كلامه هو حديث، وهو أحسن الحديث، وليس بمخلوق باتفاقهم، ويسمى حديثًا وحادثًا. وهل يسمى محدثًا؟ على قولين لهم. ومن كان من عادته أنه لا يطلق لفظ المحدث إلا على المخلوق المنفصل… فعلى هذا الاصطلاح لا يجوز عند أهل السنة أن يقال: القرآن محدث، بل من قال: إنه محدث فقد قال: إنه مخلوق» ( [39] ) .
وقد ذكر ابن تيمية إشكال ذم السلف لمن وصف القرآن بالمحدث وقال: «فيجيبون عنه بجوابين:
(أحدهما): ألا يسمى “محدثا”، وأن يسمى “حديثا”؛ إذ المُحدث هو المخلوق المنفصل، وأما الحديث فقد سماه الله حديثا. وهذا قول الكرامية وأكثر أهل الحديث والحنبلية.
و(الثاني): أنه يسمى “محدثا” كما في قوله: ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: 2] وليس بمخلوق. وهذا قول كثير من الفقهاء وأهل الحديث والكلام كداود بن علي الأصبهاني صاحب المذهب، لكن المنقول عن أحمد إنكار ذلك، وقد يحتج به لأحد قولي أصحابنا» ( [40] ) .
خاتمة:
يتبين من خلال استقراء نصوص أكثر الحنابلة في مسألة الحدوث والقدم أن التباين في أقوالهم لم يكن بالضرورة دليلًا على تباين المذاهب أو تعدد العقائد داخل البيت الحنبلي، بقدر ما كان انعكاسًا لاختلاف الألفاظ، وتباين طرائق التعبير، وتأثر كل عالم بمصطلحات عصره وبيئته العلمية. ومن ثم فإن ما نُسب إلى الحنابلة من مواقف متعارضة إنما نشأ في كثير من الأحيان من عدم تحرير المقصود بالقدم أو الحدوث، ومن إسقاط اصطلاحات لاحقة على نصوص سابقة.
وفي ضوء ذلك يظهر أن تحقيق ابن تيمية لم يكن ابتداعًا لمذهب جديد، وإنما كان تخريجًا عقليًّا ومنهجيًّا لمضامين مذهب الحنابلة، ومحاولة لرفع ما ظنه الخصوم تناقضًا في أقوال أهل الحديث، فعبارته “قديم النوع حادث الآحاد” جاءت لتستوعب نصوص الأئمة وتدفع عنها إيهام التناقض، وتؤكد تماسك الموقف الحنبلي في جوهره.
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)
([1]) انظر: العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، الذهبي، مكتبة أضواء السلف (ص: 150).
)2) انظر: السنة، عبد الله بن أحمد، نشر دار ابن القيم (1/ 115)، والإبانة الكبرى، ابن بطة، نشر دار الراية (6/ 65).
([3]) سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة (11/ 288).
) 1) كتاب السنة من مسائل حرب الكرماني، نشر دار اللؤلؤة (ص: 204-205).
([5]) ذكره الأشعري، وعَلَّقَهُ ابن تيمية والذهبي وابن كثير والسبكي وجزموا به إلى أبي بكر الخلال؛ قال: أخبرنا الحسين بن عبد الله الخِرَقيُّ؛ قال: سألتُ المروذي عن قصة داود الأصبهاني وما أنكر عليه أبو عبد الله [يعني أحمد بن حنبل]؛ فذكره. انظر: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، نشر المكتبة العصرية (2/ 421)، والفتاوى الكبرى، دار الكتب العلمية (6/ 394)، وتاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، نشر دار الكتاب العربي (20/ 92)، وسير أعلام النبلاء (13/ 103).
([6]) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (6/ 161).
([7]) انظر: أجوبة أبي زرعة الرازي لأسئلة البرذعي وأسامي الضعفاء، نشر عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، (2/ 551-555، 6/ 393)، وسير أعلام النبلاء (13/ 103).
([8]) أبو معاذ التومنى: هو رأس الطائفة المعروفة بالتومنية، وهم فرقة من المرجئة. انظر: الأنساب، السمعاني، نشر مجلس دائرة المعارف العثمانية (3/ 111).
([9]) الفتاوى الكبرى (6/ 422).
([10]) مجموع الفتاوى (3/ 262، 5/ 532-533، 25/ 232-233)، وشرح العقيدة الأصفهانية، نشر المكتبة العصرية (ص: 126)، وشرح حديث النزول، نشر المكتب الإسلامي (ص: 155).
([11]) صحيح البخاري، نشر دار ابن كثير ودار اليمامة (6/ 2735).
)1) عمدة القاري، نشر دار إحياء التراث العربي ودار الفكر (32/ ٢١٦).
)2) لأن المعتزلة يصفون القرآن بالحدث أيضًا، وهو خطأ من ابن بطال؛ لأن مقصود المعتزلة هو الخلق المنفصل.
([14]) انظر: فتح الباري، ابن حجر، نشر المكتبة السلفية (13/ 497).
([15]) فتح الباري (13/ 415، 13/ 497-498).
([16]) فيض الباري، نشر دار الكتب العلمية (2/ 566، 6/ 589).
([17]) المرجع السابق (2/ 566).
([18]) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، نشر دار الراية (ص: 39).
([19]) ذيل طبقات الحنابلة، نشر مطبعة السنة المحمدية (1/ 144-145).
([20]) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٤(.
([21]) الإرشاد إلى معرفة الحق في مسائل الاعتقاد، نشر دار النفائس (ص: 161-162).
وكان قبل رجوعه يسميها أحوالًا؛ حيث يقول: «وصفات الله سبحانه ما لم تفارقه كالعلم والقدرة، فأما ما تجدد وزال فلا يجوز أن يكون، كالاستواء، ورؤيته لخلقه، وسماع كلام خلقه، وهذه أحوال، وليست صفاتٍ، فلم يزل بصيرًا سميعًا لكل مسموع ومرئي، فلما تجددت الأصوات سمع تلك الأصوات، ولما خلق المرئيات كان رائيًا لها، وعلى هذا فاعتقد تسلم من شبهة التشبيه». كتاب الفنون، دار المشرق (1/ 68). وهذا خطأ منه، والصواب هو ما استقر عليه أمره، والله أعلم.
([22]) الرد على الأشاعرة العزال وإثبات الحرف والصوت في كلام الكبير المتعال، بتحقيق المستشرق جورج مقدسي، نشر مجلة نشرة الدراسات الشرقية، سنة 1971م، دمشق – سوريا (ص: 76).
([23]) نُكَت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام، نشر دار ابن القيم ودار ابن عفان (1/ 428).
([24]) درء تعارض العقل والنقل، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (1/ 280).
([25]) الإرشاد إلى معرفة الحق في مسائل الاعتقاد (ص: 378).
([26]) الفائق في أصول الدين، نشر دار الكتب العلمية (ص: 179).
([27]) رسائل الجاحظ، نشر دار الهلال (2/ 18-19).
([28]) رسائل الجاحظ (2/ 15-16).
([29]) الوصول إلى الأصول، نشر مكتبة المعارف (ص: 60-61).
([30]) الرد على الشاذلي، نشر دار عالم الفوائد (1/ 222).
([31]) مجموع الفتاوى (12/ 323).
([32]) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 438)، درء تعارض العقل والنقل (1/ 275).
([33]) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، نشر دار الراية (ص: 201).
([34]) التبصرة في أصول الدين، نشر دار المأثور (ص: 94).