اختلاف أهل الحديث في إطلاق الحدوث والقدم على القرآن الكريم -قراءة تحليلية-
مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف
فبيَّن ابن تَيميَّة أن من أهل الحديث من يصف الكلام بالقدم، بل وبعضهم يمنع حلول الحوادث، ومع ذلك لا ينفي الفعل الاختياري. وهذه طريقة جماعة كبيرة من أهل الحديث الصرفة كابن حامد والأصبهاني واللالكائي وغيرهم.
ويبدو من تصرفات أهل الحديث أن بعضهم كان يقصد المعنى الأول، وبعضهم يقصد المعنى الثاني، وبعضهم يقصد المعنى الثالث، وبعضهم يقصد الرابع، والبعض الآخر يحتار ويضطرب بين هذه المعاني، والله أعلم.
المبحث الرابع: هل أخطأ ابن تيمية في توصيف مذهب أهل الحديث؟
تأتي عبارات ابن تيمية في هذا الباب كتحقيق وتخريج أصولي لحقيقة مذهب أهل الحديث، لأنه إذا كان أكثرهم يقولون بالفعل الاختياري (الفعل الكائن بعد أن لم يكن)، فإن الخلاف حينئذٍ في التعبير عن هذا المذهب لا معنى له ولا مبرر.
فسواء سميت هذه الأفعال: (أفعالًا اختيارية) أو (تجددًا) أو (حدوثًا)، أو (فعلًا لم يكن من قبل)، فلا مشاحة في الاصطلاح. فإذا سلَّم المخالف بقولهم بهذا المعنى، فلا خلاف من الأساس، ويبقى النظر في هل أصاب ابن تيمية في التسمية أم لا.
أما إذا أنكر المخالف ثبوت هذا المعنى عن أهل الحديث، فإن الإنصاف يقتضي التنبيه إلى أن ابن تيمية لم ينفرد بهذا الفهم عنهم، بل نقله عدد من العلماء أيضًا مشربهم مختلف، ومنهم الحافظ ابن حجر.
يقول الحافظ ابن حجر في سياق عرضه لاختلاف أصحاب الإمام أحمد: «وافترق أصحاب أحمد فرقتين، فمنهم من قال: كلامه لازم لذاته، والحروف والأصوات مقترنة لا متعاقبة، ويُسمع كلامه من شاء. وأكثرهم: أنه يتكلم بما شاء إذا شاء، وأنه نادى موسى حين كلمه، ولم يكن ناداه من قبل» ( [37] ) .
والقول الثاني الذي نقله ابن حجر عن أصحاب أحمد -والذي نسبه إلى الأكثرية- هو نفسه إثبات الفعل الاختياري الكائن بعد أن لم يكن (نادى موسى.. ولم يكن ناداه من قبل)، وترجمته الكلامية العقلية: أن الكلام المعين حادث غير مخلوق، أي: أن الكلام المعين ليس قديمًا أزليًّا بالعين، هذا هو مذهبهم عند كافة العقلاء، سواء أقروا بلفظ الحدوث أم أحجموا عنه.
وتحليل ابن حجر ونقله لمذهب الحنابلة لا ينبغي أن يمر عليه الباحث مرور الكرام، فهو نقلُ عالمٍ مُحايد، ومشربه مختلف عن مشرب ابن تيمية، وهو ثقةٌ مأمونٌ في نقله، وإذا كان ابن حجر قد نسب هذا القول إلى جمهور الحنبلية، فأي تثريبٍ على ابن تيمية أن فهم نفس الفهم عن جمهور الحنبلية ورجَّحه؟!
وممن فهم نفس الفهم أيضًا الحافظ ابن رجب الحنبلي، حيث نقل المذهبين عن الحنابلة أيضًا، ومعلوم أن ابن رجب لم يكن مُقلدًا لابن تيمية.
ففي ترجمة ابن رجب للحافظ عبد الغني المقدسي قال: «أخذوا عليه مواضع، منها قوله: (ولا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول)، ومنها قوله: (كان ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان). فقالوا له: إذا لم يكن على ما قد كان فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه تنزيهًا تنفي حقيقة النزول فقد أجزت عليه الانتقال». ثم عقّب ابن رجب بقوله: «هذا مبني على الأفعال الاختيارية، وقيامها بالذات، وفيها قولان لأهل الحديث المتأخرين من أصحابنا وغيرهم» ( [38] ) .
وقول الحافظ عبد الغني: «كان ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان» معناه أنه لم يكن مستويًا ثم استوى على العرش، والحافظ ابن رجب رأى أن قول عبد الغني مبني على أحد قولين معتبرين داخل المذهب وهو: (قيام الأفعال الاختيارية بالذات)، وهي تعني التجدد والحدوث، مما يعني ضمنًا أن القول بقيام الأفعال الاختيارية بذات الرب قولٌ له أصل في المذهب.
إذن، إن ما قرره ابن تيمية في قوله: “قدم النوع وحدوث الآحاد” لا ينبغي أن يُقرأ قراءة سطحية، ولا أن يُنظر إليه على أنه تأسيس لمذهب مبتدع أو إحداث قول جديد خارج عن دائرة أهل الحديث، بل هو في حقيقته بمثابة تحقيق عقلي واستقراء نصي لمسلكهم، ومحاولة لإعادة بناء مواقفهم المتفرقة في نسقٍ منطقي متماسك، بعد زمن استقرار العلوم.
فإن السلف -ومنهم الإمام أحمد- لم يكونوا في زمن التقعيد العلمي للعلوم، فلم يخوضوا في مثل هذه التفريعات، وأكثر العلوم الشرعية تمت صياغتها بعد القرن الرابع الهجري بصيغ عقلية لم يذكرها السلف بألفاظها، وإنما هي تخريج عقلي وشرعي لمضامين أقوالهم. فكما أن الأصوليين استنبطوا قواعد عامة من تصرفات الأئمة الفقهاء وشققوا العبارات ووضعوا التقاسيم والتقييدات والاحترازات، كذلك ابن تيمية حاول أن يستنبط قواعد جامعة وتقاسيم على منوال المتأخرين بعدما استقرت العلوم.
وهذا ليس مخصوصًا بابن تيمية، بل كافة مذاهب المسلمين لم يجمدوا على ألفاظ السلف في مباحث أصول الدين (العقيدة) فقد امتلأت مصنفات هذا الفن بالتقعيد والتقسيم والتشقيق الكلامي كما لا يخفى على أدنى مُطَّلع.
وكثيرٌ ممن ينتقد ابن تيمية من المعاصرين بدعوى مخالفته لأهل الحديث لم يدرك أن ابن تيمية كان مقصوده دفع الشبهة عن السلف وأهل الحديث الذين اتهمهم المتكلمون بالتناقض العقلي، إذ فهموا عنهم أن يكون الله قد نادى موسى في الأزل، وهو ما جعل الأشاعرة يسخرون من مذهب الحنابلة لأجل ذلك. فجاء تحرير ابن تيمية ليُظهر أن ما نسبه المتكلمون إلى أهل الحديث غير صحيح، وأن مذهبهم في حقيقته متسق مع صريح المعقول وسديد المنقول، وإنما نشأت الشبهة من غموض الاصطلاح وعدم تحريره، لا من خللٍ في أصل المذهب.
كما أن من ينكر على ابن تيمية حدوث آحاد الأفعال -على معنى التجدد غير المخلوق- يتعامى أو يتناسى أن مذهب الأشاعرة هو الحدوث أيضًا، فعندهم آحاد الأفعال مُحدثة، لكنها مخلوقة منفصلة عن الذات وفقًا لقاعدتهم: “الفعل هو المفعول”، فقولهم أبلغ في الإنكار، بل إنكار السلف يتوجه أصالةً إلى هذا القول.
على أنه يجدر التنبيه على:
أن ابن تيمية لم يصف القرآن بـ(المحدث)، بل رآه مصطلحًا مجملًا، وأجاز وصفه بالحادث والحديث.