شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إعادة قراءة النص الشرعي عند النسوية الإسلامية.. الأدوات والقضايا

مركز سلف للبحوث والدراسات • مذاهب فكرية في الميزان

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

تشكّل النسوية الإسلامية اتجاهًا فكريًّا معاصرًا يسعى إلى إعادة قراءة النصوص الدينية المتعلّقة بقضايا المرأة بهدف تقديم فهمٍ جديد يعزّز حقوقها التي يريدونها لا التي شرعها الله، والفكر النسوي الغربي حين استورده بعض المسلمين إلى بلاد الإسلام رأوا أنه لا يمكن أن يتلاءم بشكل تام مع الفكر الإسلامي، فأرادوا تقديم موضوعاته بثوب إسلامي أقرب إلى نفوس الشعوب المسلمة، فالنص الشرعي معظَّم عند عموم المسلمين، وهو ما حاول بعض النسوية استغلاله لجعل الموضوعات النسوية موضوعات إسلامية من المفترض أن نقبلها كما قدّموها. وتحقيقًا لما يرمي إليه مركز سلف للبحوث والدراسات من تتبّع هذه التوجُّهات وكشفها رأيتُ دراسة بعض هذه الموضوعات، واستخلاص بعض الأدوات التي يستخدمونها في إعادة قراءة النصوص الشرعية.

وتأتي هذه الدراسة ضمن رسالة مركز سلف في تتبّع الاتجاهات الفكرية المعاصرة وكشف ما فيها من انحرافات منهجية في فهم النصوص الشرعية.

مركز سلف للبحوث والدراسات

تمهيد:

في الحديث عن الحركات النسوية نجد أن التأريخ لها يتضمن عدة موجات متتالية، بدأت منذ القرن التاسع عشر واستمرت حتى يومنا هذا، ويعتبر ظهور مفهوم النسوية الإسلامية امتدادا لهذا الحراك، حيث استلهم مناخها من عدة عوامل واعتبارات سياسية وإيديولوجية وثقافية داخل المجتمعات العربية.

ولست أريد التأريخ للحراك النسوي، لكن أشير إلى أن الأمة العربية وبحكم بعض الضعف الحضاري من جهة، والانبهار بالحضارة الغربية من جهة؛ تبنت الكثير من الحركات أو الأفكار الغربية، ففي الآونة الأخيرة بدأت تظهر حركاتٌ فكريةٌ واجتماعيةٌ تسعى إلى تحريف ثوابت الدين الإسلامي، وتقديم هذا التحريف في ثوب إسلاميّ ليتقبَّلها العامةُ، هذه المحاولات تهدف إلى تغيير جذريّ في المبادئ والقيم الإسلاميّة الأساسية، وهي أفكارٌ حداثية أو علمانية تلبس ثوب الإسلام لتبدو وكأنها تجديدٌ أو تحديث للإسلام، ولكن في واقع الأمر هذا ليس إلا امتدادًا واضحًا للفكر العلمانيّ الشامل، ولا يقتصر الأمرُ على الإتيان بأفكار تهدم ثوابتَ الإسلام وتُلبَس لَبوس الإسلام، فالأداة الفكرية التي كانت تُصِمُّ الآذان بالعلمانية الصريحة -والتي كانت ندًّا للخطاب الإسلاميّ- أصبح أصحابها يغوصون في كتب التراث ليظفروا بنصٍّ أو خلاف فقهيّ أو حتى مسلك من مسالك العلماء في إعمال المقاصد؛ ليتشبّثوا به ويقدّموا فكرتهم العلمانية من خلاله، يقولُ أحمد أمين: “إِنَّ الأزهر لا يقبل الآراءَ العلميَّة الحرة، فخيرُ طريقة لبثِّ ما تراه مناسبًا من أقوال المستشرقين أن لا تنسبها إليهم بصراحَة، ولكن ادفعها إلى الأزهريِّين على أنها بحثٌ منك، وألبسها ثوبًا رقيقًا لا يُزعجهم مَسّها، كما فعلتُ أنا في فجر الإسلام وضُحَاهُ” ( [1] ) ، وقريب من هذا ما قاله نصر أبو زيد: “اتجهت التيارات العلمانية إلى مواجهة الحاضر ومحاولة حلّ إشكالياته بآليات ذات طابع عصري في أغلب الأحيان، ولكنها أحسّت بضرورة طرح هذه الآليات طرحًا يسوّغ قبولها من الجماهير، فوجدت في بعض اتجاهات التراث سندًا لتوجهاتها. وعلى ذلك فلم يكن الخلاف بين جناحي الأمة -كما يتصوّر اليسار الإسلامي- خلافًا جذريًّا فيما يرتبط بعلاقة كل منهما بالتراث، بل تركز الخلاف في الطريقة التي استعمل بها كلّ منهما التراث، حيث تحوّل لدى السلفيين إلى إطار مرجعيّ، بينما تحوّل عند العلمانيين إلى غطاء وسند” ( [2] ) .

هذه الدعوات التي يظهر صداها بين الحين والآخر، ويرفع بها أقوام رؤوسهم، وتضجّ بها بعض القنوات، وتُكتب لأجل الترويج لها المقالات؛ مظهرٌ من مظاهر تغوُّل العلمانية وابتلاعها لكل القيم الدينية والأخلاقية، فهذه التحولات الفكرية التي نشهدها تشبه كرةَ الثلج التي تكبر مع مرور الزمن، حيث تزداد هذه الأفكار انتشارًا وتأثيرًا حتى تلتهمَ القيم والأخلاق الإسلامية الأساسية. ومع مرور الوقت، إذا لم يتمّ التصدي لها فإنها قد تؤدّي إلى تآكل الهوية الإسلامية برمتها، وهي بعضها مجرد دعوات أو صدى لبعض الأفكار، وأحيانا أخرى أفكار كاملة عابرة للبلدان لتأتي وتستقر في الفكر الإسلامي، خاصة تلك الأفكار التي قد لا يقبلها المجتمع المسلم المحافظ على هويته الدينية، ولذلك رأينا على مر التاريخ: “الاشتراكية من منظور إسلامي” و”حقوق الإنسان الإسلامي” و”الديمقراطية الإسلامية”، في محاولة للتقريب بين هذه المفاهيم وبين الإسلام، والتأكيد على عدم تعارضها مع تعاليمه، ومن ذلك: “النسوية الإسلامية”.

ولا أريد الإطالة هنا في بيان شرعنة الأفكار ومدى خطورتها، لكن من الجيد الإلمام ببعض الأمور فيما يتعلق بالنسوية الإسلامية، ولماذا نحتاج إلى نسوية إسلامية؟

بداية: النسوية الإسلامية عرّفتها أميمة أبو بكر ( [3] ) بقولها: “الجهد الفكري والأكاديمي الذي يسعى إلى تمكين المرأة انطلاقًا من المرجعيات الإسلامية، وباستخدام المعايير والمفاهيم والمنهجيات الفكرية المستمدة من هذه المرجعيات” ( [4] ) .

أما عن الحاجة إلى شرعنة النسوية فقد كتب أحمد زكي ورقة بعنوان: (لماذا نحتاج إلى نسوية من منظور إسلامي؟) حررتها أميمة أبو بكر، قال فيها: “إن الدافع الرئيسي وراء توجهات البحث النسوي الإسلامي اليوم هو تفعيل المبادئ والمقاصد العليا لإنتاج معرفة نسوية في نطاق الإسلام وبه، معرفة تنقض الأبوية السلطوية والتحيز في خطابات وتفسيرات التراث ثم تعيد بناء رؤية إصلاحية جديدة تلبي احتياجات النساء داخل مجتمعاتهن وثقافاتهن” ( [5] ) . وكيف يتم فعل هذا؟ يجيب: “يتم هذا بداية عن طريق استخلاص معانٍ فاعلة محددة من مبادئ الحقوق الإنسانية المتضمنة في النص القرآني لبناء نظام من الإصلاحات القانونية/ الفقهية للتطبيق ولتعزيز دور النساء بوصفهن مستخلفات في الأرض أيضًا، أي: أن أساس ومنطق التغيير يأتي مباشرة من المصدر الرئيسي للإسلام الأكثر تعويلًا عليه وثقة فيه، ألا وهو القرآن ذاته” ( [6] ) .

الصفحة التالية