شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إعادة قراءة النص الشرعي عند النسوية الإسلامية.. الأدوات والقضايا

مركز سلف للبحوث والدراسات • مذاهب فكرية في الميزان

وسنرى حين نمر على منهجهم في إعادة القراءة أنهم كثيرا ما يعولون على القرآن الكريم وحده ليقرؤوه ويعيدوا قراءته بعيدا عن النصوص المحيطة، سواء كانت نصوصا نبوية، أو تفسيرات للعلماء من الصحابة الكرام إلى علمائنا المعاصرين، فالنص الشرعي هو النص القرآني وحده، وفقه القرآن هو فقه كل نسوي ونسوية بما يتلاءم مع أفكارهم.

وهنا في هذه الورقة القصيرة أريد أن أقف مع إعادة قراءة النص عند النسوية، فالنسوية بأفكار النسوية الغربية قد تكون ممجوجة عند شريحة من الناس، بينما النص الشرعي الذي تغلَّف به بعض الأفكار النسوية قد يتقبلها بهذه الحمولات النسوية كثيرون، وهي فئة ليست بالقليلة ( [7] ) .

أولا: أدوات النسوية في إعادة قراءة النص حول القضايا النسوية:

تسعى النسوية الإسلامية إلى إعادة قراءة النصوص الدينية المتعلقة بقضايا المرأة باستخدام أدوات منهجية تعيد تفسير هذه النصوص بما يتماشى مع قيم الحرية والمساواة، تعتمد النسويات الإسلاميات على أدوات عدة، يمكن أن نجمل بعضها في الآتي:

1- رد الأحاديث النبوية:

تكاد أقلام النسوية تتفق على رد كل ما هو خارج عن النص القرآني، سواء كان حديثا نبويا أو رأيا من آراء علماء المسلمين، فهم في مشروعهم الذي يحاولون فيه شرعنة القضايا النسوية يدركون أن أكبر عائق أمامهم هو كمية الأحاديث النبوية التي تفرق بين الرجل والمرأة، وتضع المساواة التي ينادون بها في مهب الريح، فما من حل أمامهم إلا ردُّ الأحاديث كلِّها، وبالتالي إعادة قراءة الآيات القرآنية بمعزل عن أي تفسير للنص من النبي صلى الله عليه وسلم، تقول رفعت حسن: “ويقبع خلف رفض فكرة المساواة بين الرجل والمرأة في المجتمعات الإسلامية ذلك الإيمان الراسخ بأن النساء -وهن الأدنى في الخلق (إذ أتَين من ضلع أعوج) وفي الاستقامة (إذ أعنَّ الشيطان على تقويض ما أعده الله لآدم)- قد خلقن أساسًا لفائدة الرجال الذين هم أرفع منهم مكانة. وتستمد تلك الفكرة حول المكانة الأرفع المزعومة للرجال فوق النساء التي تسود التراث الإسلامي (كما تسود التراثين اليهودية والمسيحية) جذورها من تراث الحديث وكذلك من التفاسير الرائجة لبعض الآيات القرآنية” ( [8] ) .

2- رد تفسيرات علماء الأمة:

بيّنّا في السابق كيف أنهم يردون الأحاديث ولا يريدون الاعتماد عليها بالكلية؛ ومن باب أولى لن يعتمدوا على نصوص العلماء السابقين أو من خلفهم، تقول رفعت حسن: “بينت أهمية القرآن والحديث بوصفهما مصدرا لتراث الدين الإسلامي، يتعين الآن توضيح أن الذين قاموا بتفسير تلك المصادر على مدى التاريخ الإسلامي الممتد كانوا من الرجال الذين انتحلوا لأنفسهم مهمة تحديد مكانة النساء المسلمات الأنطولوجية واللاهوتية والاجتماعية والإيمانية… تبقى حقيقة أن تراث الدين الإسلامي قد كان ولا يزال تراثًا أبويًّا (patriarchal) في المقام الأول، أعاق ازدهار العلم والبحث بين النساء وبخاصة في مجال الفكر الديني. وعليه، فلا عجب أن بقيت الغالبية العظمى من المسلمات حتى الآن غافلات تمامًا أو جزئيًّا عن قدر الانتهاك الذي ألحقته مجتمعاتهن المتمركزة حول الرجال… ولا يهم كم الحقوق الاجتماعية السياسية الممنوحة للنساء طالما استمر تشكيل هؤلاء النساء بحيث يصدّقن الخرافات التي يستخدمها علماء الدين أو الزعماء الدينيون لتقييد أجسادهن وقلوبهن وعقولهن وأرواحهن، ومن ثم لن يحقق تطورهن الكامل أو يصبحن كائنات إنسانية مكتملة، لا يحملن خوفًا أو إحساسًا بالذنب، أو يقفن على قدم المساواة مع الرجال أمام الله. وفي رأيي أن إنتاج ما يسميه الغرب: الفقه النسوي (feminist thology) داخل تراث الدين الإسلامي لهو اليوم أمر في غاية الأهمية يهدف إلى تحرير المسلمات بل والمسلمين من البنى والقوانين الظالمة التي تجعل من علاقة الندية بين الرجال والنساء ضربًا من المستحيل” ( [9] ) . وقد شنّت آمنة ودود حملة شرسة ضد التراث التفسيري الإسلامي، فقفزت على أفهام علماء التفسير المعتبرين، بل إنّها تعزو لآرائهم سبب تأخر المرأة عن التقدم في العصر الحاضر: “فليس النصُّ هو ما أعاق تقدّم المرأة، وإنما أعاقتها تفاسير ذلك النص” ( [10] ) .

3- استبعاد اللغة:

حينما قصرت النسوية أخذ الهدى على القرآن الكريم لم يستطيعوا الهرب من بعض الآيات الصريحة، وللخروج من هذا المأزق ذهبت آمنة ودود إلى أن اللغات المُجنّسة كالعربيّة قاصرة عن إدراك معاني القرآن ومقاصده، خاصّة تلك المتعلَّقة بالمساواة بين الذكر والأنثى، “فكيف يمكن التعبير بلغة مُجنسة عن الأفكار التي تتجاوز التجنيس؟! إنّ قيود اللغة تعمل على تعقيد عملية إرشاد القارئ إلى ميادين واقع غير مُجنَّس” ( [11] ) .

يقول الدكتور فرج الزبيدي: “فبحجّة تجنيس اللغة العربية تسعى الكاتبة لتحييدها من ميدان تفسير ألفاظ القرآن وآياته المتعلقة بالجندر، واستبدالها بلغات أجنبية غير مُجنّسة. فهي تسعى جاهدة لإقناع قُرائها بأنَّ اللغة العربيّة عائق أمام فهم بعض مُصطلحات القرآن” ( [12] ) .

4- القول بتاريخية النص القرآني:

القول بتاريخية النص القرآني معروف ومعلوم، وهو القول بأن القرآن الكريم مرهون بزمانه وتاريخه الذي نزل فيه، فأحكامه لا تلزمنا في الوقت الحاضر، تقول آمنة ودود: “سوف أحول بعض المفاهيم… على أساس أنَّه عُبِّر عنها بألفاظ خاصة بالجزيرة العربية في القرن السابع” ( [13] ) ، وتقول: “ينبغي قصر خصوصيات القرن السابع الموجودة في القرآن على تلك البيئة” ( [14] ) ، وتقول: “إنَّ المواقف تجاه المرأة في زمن ومكان الوحي ساعدت على صياغة تعبيرات خاصّة في القرآن، وكانت الاهتمامات التي تناولها خاصة بتلك الأوضاع” ( [15] ) .

ثانيا: الموضوعات التي شرعنتها النسوية:

1- المساواة:

حينما نريد أن نستعرض أبرز الموضوعات التي أرادت النسوية الإسلامية تقديمها بثوب إسلامي وأعادوا قراءة النصوص الإسلامية لأجلها نجد موضوع: المساواة المطلقة بالرجل، وإلغاء الفوارق بين الرجل والمرأة في كل شيء.

الصفحة السابقة الصفحة التالية