شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحالة السلفية عند أوائل الصوفية

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

تعدَّدت وجوه العلماء في تقسيم الفرق والمذاهب، فتباينت تحريراتهم كمًّا وكيفًا، ولم يسلم اعتبار من تلك الاعتبارات من نقدٍ وملاحظة، ولعلّ أسلمَ طريقة اعتبارُ التقسيم الزمني، وقد جرِّب هذا في كثير من المباحث فكانت نتائج ذلك محكمة، بل يستطيع الباحث أن يحاكم الاعتبارات كلها به، وهو تقسيم المذاهب إلى “ مذهب السلف ” و” مذاهب الخلف “، وقريب منه تقسيم الفرق إلى “ مذاهب الأوائل ” و” مذاهب الأواخر “، وتحت هذا تقسيماتٌ باعتبارات كثيرة، لكن ضابط التمييز في كل هذا هو “ متابعة الخلف للسلف وعدمها “، ومن ذلك تقسيم الصوفية إلى قسمين: “ صوفية أوائل ” و” صوفية أواخر “، لتتبع “ الحالة السلفية ” فيهما، ومحاججة الأواخر بالأوائل، وقد رأى مركز سلف للبحوث والدراسات أن يعرض خلاصة هذه المحاولة ونتائجها في ورقة علمية، والله المستعان.

تحقيق معنى الصوفية:

لن أحاول تحقيق معنى مصطلح “ الصوفية ” و” التصوف “، فقد سال في ذلك مداد كثير، لكنني سأسلُكُ مسلكًا أقترح تسميتَه: “ القبول الإجرائي “، أي: سأقبل المصطلح لتسهيل إجراء تحقيق آخر أهمّ، وسأعتبر المصطلح مقبولا، وأحقّق مطابقته لمن يدَّعيه أو يدَّعى له، والسبب في هذا أن الصوفية أنفسهم يتشكَّكون في “ المطابقة ” في كثير من الأحيان، من ذلك قول صاحب رد المحتار: « لفظ الصوفية إنما يراد به في العادة من كانوا على طريقة مرضية، أما غيرهم فليسوا منهم حقيقة، وإن سَمَّوا أنفسهم بهذا الاسم، فإذا أطلق الاسم لا يدخلون فيه »( [1] )، وينصون على أن هذه الطريقة المرضية هي « ما كان عليه المشايخ المتقدمون »( [2] )، وهذه إشارة مهمة تكشف عن “ أصل ” خطير في باب التصوف، وهو أن في “ الصوفية ” “ متقدمين ” و” متأخرين “، فما السبب في ذلك؟

قبل الجواب عن هذا السؤال يثيرك أمر آخر، وهو أن هناك “ متشبِّهين ” بهم “ متلبِّسين بلباسهم ” و” ليسوا منهم “، ولذلك « ينبغي للعاقل في زماننا هذا أن يعرف شيئا من أصول الصوفية وطريقة أهل الصدق منهم؛ حتى يميز بين المتشبهين بهم المتلبسين لباسهم والمتمسكين بسماتهم »( [3] )، وبجمع هذا إلى ما قبله فإن “ من لا يشهد بتصوف آثار المتقدمين من مشايخ التصوف كان من المدَّعين “.

لم يتردَّد السبكي في كشف بعض أسباب حرصهم على التمييز بين الأدعياء الذين يكثر وجودهم في “ المتأخرين “، وقد نبه تاج الدين على هؤلاء المتصوفة المتشبهين بقوله: « اعلم أنهم قد تشبَّه بهم أقوام ليسوا منهم، فأوجب تشبُّه أولاء بهم سوء الظن، ولعلَّ ذلك من اللَّه تعالى قصدًا لخفاء هذه الطائفة التي تؤثِر الخمول على الظهور »( [4] )، وحسبي هذا، فأخلص إلى أن هناك “ صوفية أوائل ” يتشبَّه بهم “ أواخر ” ليسوا منهم؛ لمخالفتهم “ أصولهم ” و” طريقتهم “.

هل كان الصحابة والتابعون صوفية؟

الجواب : لا، لم يكونوا صوفيين( [5] )، « فاستعمال لفظ صوفي ومتصوف لم ينتشر في الإسلام إلا في القرن الثاني وما بعده »( [6] )، ومع هذا فإن وصفهم بذلك إلزاما للمتأخرين بوجوب متابعة المتقدمين جائز، وعند هذا ينتهي الجواز، وإلا فلم يكن الصحابة والتابعون من الصوفية، ومن لطيف العبارات في وصفهم بالمصدر لا باسم الفاعل عند المدافعة والنصح لمخالفهم ممن يدعي التصوف قول الذهبي ردًّا على أهل الوحدة والحلول في دعواهم موافقة الهروي في منازله: « فما أحلى تصوف الصحابة والتابعين! ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله، وذلّوا له، وتوكّلوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم »( [7] ).

الخلاصة : أن الصوفية فرقتان باعتبار الزمن، صوفية “ سلف “، وصوفية “ خلف “، وعلى الخلف متابعة السلف في “ تصوفهم “، وأصله كما قال الذهبي “ تصوف الصحابة والتابعين “، وهذه هي التي أسميها: الحالة السلفية الواجبة .

صوفية القرنين:

من “الصوفية الأوائل”؟

تصفهم المستشرقة الألمانية المتخصّصة في “التصوف” آنا ماري شيميل بـ” الصوفية الأصولية “( [8] )، أي: الذين بنوا تصوفهم على “ الأصول “، أي: “ القرآن والسنة “، مثلهم مثل “ الفقهاء الأصوليّين ” الذين بنوا فقههم على أصوله، وينطبق عليهم كونهم “ الأولين “، وهم الذين يقول فيهم نيكلسون: « الصوفية الأولون كانوا في الحقيقة زهادًا وادعين، أكثر منهم متصوّفة »( [9] )، وهذا مهم، ويحتاج إلى تأمل، أعني قوله: « كانوا في الحقيقة زهادا وادعين، أكثر منهم متصوفة »! مع كون ماسينيون يصفهم بـ« المتصوفة الأول »( [10] )، وكل هذا أيضا يحتاج إلى تأمل، مع تحفُّظي على استعماله عبارة “ متصوفة “.

من أفضل النصوص التي وجدتها تلخِّص مقاصد هذه الورقة العلمية قولُ عبد الرحمن بدوي: « ولئن لم نجد لديهم مذاهب كاملة في التصوف النظري، ولا نظريات عميقة في الكون والعلاقة بين العبد والرب، ولا مراتب منتظمة للعالم الروحي، فإن لديهم ميزةً كبيرةً، هي نصاعة التقوى الخالية من التهاويل اللفظية والاصطلاحات الإيهامية، مما سيبالغ فيه ابن عربي وابن الفارض، وخلو ورعهم من كل الظواهر غير السوية التي سيغالي في استجلابها الصوفية المتأخرون، صحيح أن هذا التطور الذي حدث في التصوف الإسلامي -وفي سائر ألوان التصوف إلى أية ديانة انتسب- كان أمرا محتومًا يقتضيه منطق التطور الروحي والحضاري، ولكنه من غير شك يمثل انحلالا بالنسبة إلى هذه المرحلة الأولى التي عنينا بدراستها هاهنا »( [11] ).

الصفحة التالية