شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحالة السلفية عند أوائل الصوفية

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب

أول ما يثير انتباهك في هذا النص أن “ الأوائل ” كانوا ميالين إلى “ العمل ” لا إلى “ التنظير ” كحال “ المتأخرين “، ويظهر هذا في سلامة “ التصوف ” عندهم من “ الاصطلاحات الإيهامية “، و” التهاويل اللفظية “، ومن “ النظريات الفلسفية “، وأن “ المتأخرين ” خاضوا في كل ذلك، وسماه: “ انحلالا “، والمراد هنا انحلال ومخالفة “ المتأخرين منهم ” للحالة السلفية عند “ المتقدمين منهم “، وكان العلامة الناصري أحد علماء الطريقة الناصرية الصوفية في المغرب واضحا غير متردد في هذا فقال: « الفرق -والحمد لله- واضحٌ والحق لائح، هو التمسك بالسنة وطريقة السلف، فمن تمسك بهما اعتقدناه، ومن نبذهما نبذناه »( [12] )، فهذه هي الحالة السلفية التي أشرتُ إليها، فإن كان من “ طريقة ” أو “ طريق ” فطريقة السلف، وأصلها التمسك بالسنة، ومن خالف هذا خرج عن “ الحالة السلفية ” التي كان عليها متقدمو الصوفية وأوائلهم وسلفهم، فصح عندنا بهذا أن التقسيم الأقوى للمذاهب الصوفية أن يكون بهذه الطريقة: الصوفية الأوائل المتقدمون، والصوفية الأواخر المتأخرون، خلاف ما هو شائع، وإلا فإن بعض التقسيمات الأخرى راجعة عند التحقيق إلى هذا التقسيم.

اتباع السنة:

نُقِلت عن الصوفية الأوائل مقالات رائقة في وجوب البناء على الكتاب والسنة، وقد عرض طائفةً نافعةً منها ابن القيم الحنبلي في (مدارج السالكين)، والشاطبي المالكي في (الاعتصام)، ومن أشهرها قول سيد الطائفة أبي القاسم الجنيد: « الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول، واتبع سنته، ولزم طريقته، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه »( [13] ).

ومنها قول أبي العباس أحمد بن سهل ابن عطاء الآدمي البغدادي الزاهد العابد ( [14] ) (ت 309هـ): ( من ألزم نفسه أدب السنة نوَّر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرفُ من مقام متابعة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه، والتأدب بأدبه قولا وفعلا وعقدا ونية )( [15] ).

وقال أبو عبد الله الحسين بن عبد الله الصبيحي الإمام الصوفي المقرئ، وقد سئل عن أصول الدين فقال: « إثبات صدق الافتقار إلى الله تعالى، وحسن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» ( [16] ) .

والصبيحي( [17] ) هو الحسين بن عبد الله بن بكر البصري، وكنيته أبو عبد الله، قيل: إنه لم يخرج من سرب في داره ثلاثين سنة يجتهد فيه ويتعبّد، أخرجه أهل البصرة منها، فخرج إلى السُّوس( [18] ) فمات بها، وبها قبره، وكان عالما بعلوم القوم وبالأصول، صنف لهم كتبا، وكان صاحب لسان وورع( [19] )، قال فيه أبو نعيم : « له العقل الرصين، والكلام الواضح المبين »( [20] )، وانظر إلى قوله: « والكلام الواضح المبين » لتعرف كيف كان كلام الأولين في وضوحه، وكيف خالفه في بيانه المتأخِّرون الذين تكلَّفوا وتعمَّقوا، فلم يبيّنوا ولم يفصِحوا.

وصورة كلام الصبيحي أنّ أصول الدين أصلان: التوحيد والمتابعة، وسئل أبو عمرو إسماعيل بن نُجيد السلمي جدُّ أبي عبد الرحمن السلمي لأمه: ما الذي لا بد للعبد منه؟ فقال: « ملازمة العبودية على السنة، ومداومة المراقبة »( [21] ).

وسئل أبو الحسين بن علي الجوزجاني : كيف الطريق إلى الله تعالى ؟ قال: ( اتباع السنة) ، فسئل: وكيف الطريق إلى اتباع السنة؟ فقال: (مجانبة البدع، واتباع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء المسلمين، والتباعد عن مجالس الكلام وأهله ، ولزوم طريقة الاقتداء ، وبذلك أُمِر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى: { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123])( [22] ).

وقال أبو حفص عمر بن سالم النيسابوري من أعلام الصوفية المحققين من أهل القرن الثالث: ( من لم يِزِن أقواله وأفعاله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتَّهِم خواطره، فلا تعدَّه في ديوان الرجال )( [23] ).

وقال أبو الحسين محمد بن سعد الوراق النيسابوري الصوفي من أئمتهم في القرن الرابع الهجري: ( الصدق استقامة الطريق في الدين واتباع السنة في الشرع، وعلامة محبة الله اتباع حبيبه )( [24] ).

وقال أيضا: ( لا يصل العبد إلى الله تعالى إلا بالله، وبموافقة حبيبه صلى الله عليه وآله وسلم في شرائعه، ومن جعل الطريق إلى الوصول غير الاقتداء يضل من حيث يظن أنه مهتد) ( [25] ).

وقال سهل بن عبد الله التستري أبو محمد، العالم الصوفي الشهير (ت 288هـ): ( أصولنا -يعني أصول طريقتنا مبنية- على سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأكل المال الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق). وقال: ( لقد أيس العلماء والحكماء من هذه الخلال الثلاث: ملازمة التوبة، ومتابعة السنة، وترك أذى الخلق) ( [26] ).

وروى أبو نعيم في الحلية عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال ( من كان اقتداؤه بالنبي صلى الله عليه و سلم لم يكن في قلبه اختيار لشيء من الأشياء، ولا يجول في قلبه سوى ما أحب الله ورسوله صلى الله عليه و سلم)، وسئل : هل للمقتدي اختيار بالاستحسان؟ قال: (لا، إنما جعل السنة واعتقادها بالاسم) ( [27] ).

وقال أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي، الإمام الصوفي المقرئ (ت 286هـ): ( لا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في أحواله وأفعاله وأقواله) ( [28] ).

وقال أبو الحسين أحمد بن محمد الخراساني البغوي، الشهير بالنوري، أحد أئمة الصوفية، (ت 295هـ)، وكان من أصحاب الجنيد ( [29] ): ( أفضل الأرزاق تصحيح العبودية على المشاهدة، ومعانقة الخدمة على موافقة السنة) ( [30] )، وعند السلمي بلفظ: ( أفضل الأعمال تصحيح العبودية على المشاهدة، وملازمة الخدمة على السنة) ( [31] ).

وسئل أبو حفص عمر بن سالم النيسابوري الحداد الزاهد العابد (ت 264هـ) عن البدعة فقال: ( التعدي في الأحكام، والتهاون بالسنن، وترك الاتباع والاقتداء) ( [32] ).

وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص الصوفي الصادق (ت 291هـ)( [33] ): ( ليس العلم بكثرة الروايات، إنما العالم من اتبع العلم واستعمله، واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم) ( [34] ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية