شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

يفتقِر كثيرٌ من المخالفين لمنهجية الحكم على المناهج والأشخاص بسبب انطلاقهم من تصوراتٍ مجتزأة، لا سيما المسائل التاريخية التي يكثر فيها الأقاويل وصعوبة تمييز القول الصحيح من بين ركام الباطل، ولما كانت الشبهات حول تاريخ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب كثيرة ومُتشعبة رأيت أن أضع قواعد عامة في كيفية تناول هذه المسائل، وأُبيِّن كيف تعامل العلماء وزعماء الإصلاح مع هذه الأحداث التاريخية.

وانطلاقًا من هذا الأصل، يأتي هذا الطرح في مركز سلف مؤسَّسًا على منهجٍ علميٍّ راسخ، يقوم على جمع الروايات، وردِّ المتشابه إلى المحكم، ووزن الأقوال بميزان العدل والإنصاف، بعيدًا عن الانتقاء أو الاستجابة للضغوط الفكرية المعاصرة. كما يحرص المركز على استحضار فهوم أهل العلم الراسخين، وتتبع مناهج المصلحين في قراءة التاريخ والدعوات الإصلاحية، تحقيقًا للحق، ودفعًا للالتباس، وإسهامًا في بناء وعيٍ علميٍّ يحصِّن من الشبهات ويهدي إلى سواء السبيل.

مركز سلف للبحوث والدراسات

القاعدة الأولى: تلك أمةٌ قد خلت:

أول شيء يجب أن نؤصِّل له في القضايا التاريخية التي تكثر فيها الأقاويل هو العمل بقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]، فدع عنك قيل وقال، وخذ العلم النافع الذي تلقته الأمة بالقبول وشرحه أهل العلم المشهود لهم، وليس من شرط العالم أن توافقه في كل شيء، فأهل السنة يشرحون بعض كتب الجويني كـ(الورقات) في أصول الفقه مع أنه مؤسّس المذهب الأشعري بشكله الأخير، ويشرحون كتب ابن قدامة مع كونه شديدًا على الأشاعرة، ويشرحون كتب ابن حزم مع أنه تعصَّب على معاصريه وأحرقوا كتبه، بل قد نستفيد من كتب الزمخشري مع اعتزاليته. فإن كنت ترى خطأ الشيخ في مسألة فلا مشكلة، استفد مما أحسن فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودع ما تراه خطأ.

وفي هذا المقام أيضًا لا بد من توضيح أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس بداخل في البناء العقدي عند أهل السنة، بمعنى أنهم لا يستدلون به استقلالًا لإثبات عقيدة، لا هو ولا غيره من المتأخرين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون” ( [1] ) .

فالعقيدة أسبق من الأشخاص، ونصيب الأسد من الاستدلال في الكتب العلمية والرسائل الجامعية عند المعاصرين مُستقى من الكتاب والسُنة وكتب الأئمة والسلف ثم كتب ابن تيمية وابن القيم بشكلٍ رئيس، فالأمر يسبق الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما كان دوره رحمه الله إلا إرشاديًّا بأن نبَّه الناس إلى خطورة الممارسات الشركية، ولم يزد عند أهل العلم تأصيلًا جديدًا بحيث يمكن اعتباره مذهبًا مُنفردًا.

ودونك كتاب الإمام البركوي الحنفي: “الحد بين الزيارة الشرعية والشركية”، وكذلك كتاب المقريزي: “تجريد التوحيد” أطنب فيه في بيان توحيد الألوهية والفرق بينه وبين الربوبية، وأن دعاء الأولياء من الشرك الأكبر، وهما يسبقان ابن عبد الوهاب ببضعة قرون من الزمان.

القاعدة الثانية: أهل السنة لا يبنون اعتقاداتهم على الأحداث التاريخية:

أولًا: من الأمور المهمة التي ينبغي أن ينتبه إليها طالب العلم الرشيد أن أهل السُنة لا يتخذون الأحداث التاريخية منطلقًا لتصوراتهم المنهجية والعقدية، وإنما هذا صنيع أهل البدع والأهواء، كالشيعة الذين يتخذون حادثة مقتل الحسين عقيدةً ويبنون عليها موقفًا عدائيًّا من بعض الصحابة، وكحادثة السقيفة والوقوف عندها وعقد الولاء والبراء عليها وذم الصحابة لأجلها، وكقتال صفين واتخاذ موقف عقديٍّ تجاه أحد الطرفين، وكذلك بعض طوائف الشيعة الذين بنوا عقيدتهم على خروج محمد بن الحسن المُلقب بالنفس الزكية، وذلك في زمان الدولة العباسية.

وكذلك ما روي من زلات لبعض الفاتحين مثل قتيبة بن مسلم الباهلي القائد المغوار الذي فتح معظم آسيا، مع ما له من زلات معلومة، وطارق بن زياد في المغرب، وما أشيع عنه من إحراق السُفن، وخلافه مع قائده موسى بن نصير، فهذا وأمثاله حتى وإن صح فإن أهل السُنة يُهملون هذا كله ويغضون الطرف عنه.

فالأحداث التاريخية يكثر فيها الأقاويل والقيل والقال، والله قد أكمل الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم قد توفي وقد أتم هذا الدين، فلا يتم بناء اعتقاد جديد بناءً على مُستجداتٍ حادثة. وقد يكون الحدث التاريخي صحيحًا في أصله لكنه مُجتزأ في حقيقته، أو لصاحبه تأويل لا نعلمه، أو يكون لصاحبه من الحسنات ما يجبر به الخطأ الذي وقع منه.

وهذا المنهج وإن كان يتأكد في حق الصحابة، إلا أنه منهج لسائر من جاء بعدهم ممن اشتهر فضلهم وكان لهم صيت ذائع عند أهل السنة، فقد سكت أهل السنة عن سعيد بن جبير وعن التابعين الذين خرجوا مع ابن الأشعث وتسببوا في فتنة عظيمة جدًّا وإزهاق أرواح المسلمين، وذلك لعظم فضلهم، وعذروهم بالتأويل لعظم فضلهم وأثرهم في الديانة.

وكذلك -وسواءً بسواء- ما حصل من أحداث تاريخية متضاربة ومنزوعة من سياقها تخص الحقبة التي عاش فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لا سيما مع ما ثبت لهم من فضل تاريخي في نفي مظاهر الشرك والإصلاح الذي جاء بعده.

الصفحة التالية