شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

ولنضرب لذلك مثالًا: وهو قتال علماء الأزهر في بعض الأزمنة ، فقد جاء في أحداث عام ١١٢٠هـ: “لما توفي ثاني شيخ للأزهر وهو الشيخ النشرتي وقعت فتنة بالأزهر بسبب المشيخة، فرقة تريد الشيخ أحمد النفراوي، والأخرى تريد الشيخ عبد الباقي القليني، حضر جماعة النفراوي إلى الجامع ليلًا ومعهم بنادق وأسلحة، وضربوا بالبنادق باب الجامع، وأخرجوا جماعة القليني وكسروا باب الأقبغاوية وأجلسوا النفراوي مكان النشرتي، فاجتمعت جماعة القليني يومها بعد العصر، وكبسوا الجامع وأقفلوا أبوابه وتضاربوا مع جماعة النفراوي، فقتلوا منهم نحو العشرة أنفار وانجرح بينهم جرحى كثيرة، وانتهبت الخزائن وكسرت القناديل، وحضر الوالي فأخرج القتلى ولم يبق بالجامع أحد، ولم يصل فيه ذلك اليوم، وأمر النفراوي بلزوم بيته، واستقر القليني مكانه” ( [2] ) .

وهذا الاقتتال والنزاع الذي حصل في تاريخ الأزهر الشريف لا يخوِّل للعاقل أن يُغيِّر معتقداته الدينية بناءً على أخطاء تاريخية، بمعنى أوضح: لا يصح أن يقول الأشعري: سوف أنتقل إلى مذهب المعتزلة لأن شيوخ الأشاعرة حصل منهم قتال في زمن من الأزمنة، فإنه -والحال كذلك- قد جعل معتقداته تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان.

ولذلك هذا القتال وهذه الأحداث التي صاحبت الدعوة الوهابية لم تؤثر في العقلاء والمُصلحين، رغم علمهم ببعض الأخطاء التي لا يخلو منها إلا المعصوم؛ وذلك لأنهم حاكموا الدعوة بما غلب عليها من خير وصيانة للديانة، عملًا بقاعدة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث.

فقد رد مُفتي بغداد السيد النعمان الآلوسي على ابن جرجيس في كتابه (شقائق النعمان في رد شقاشق داود بن سليمان)، ورد عليه أيضًا محمود شكري الآلوسي في كتابه (فتح المنان) وغيره من الكتب، ومعلوم أن النعمان الآلوسي كان متصوفًا متأثرًا بابن تيمية وابن القيم، ولم يكن مُقلدًا للوهابية.

ورغم ذلك: قد لاحظ النعمان الخلل العقدي عند مناوئي الدعوة، لذلك وافق الوهابية في الرد على ابن جرجيس الحنبلي الذي كان يؤصِّل للاستغاثة بالأولياء وينسب ذلك كذبًا إلى ابن تيمية.

والحاصل أن العلماء الربانيين وزعماء الإصلاح في القرن الماضي رغم تحفظهم على مسألة القتال، إلا أن هذا لم يمنعهم من أن يوافقوا النجديين من حيث التقرير العقدي، بل ردوا على خصومهم أيضًا صيانةً لجناب التوحيد، وسكتوا عن أخطاء الوهابية بسبب حسناتهم، وعظيم فضلهم، وذيوع الخير على أيديهم.

وهذا الموقف النبيل من المُصلحين يُعطي درسًا تربويًّا لما يجب أن يكون عليه الباحث المنصف تجاه هذه المسائل التاريخية من التحلي بالعلم والعقل والعدل.

ثانيًا: لا بدّ أن نعرف أن الوقائع التاريخية ينبغي أن تستقرأ كاملة غير مجتزأة، وفي كل الحروب التي يُستدل بها لذم دعوة الشيخ كان للوهابيين مبرر قويّ لذلك، مثل ما يذكره الخصوم من إغارة الوهابية على مناطق كانت توافقه على التوحيد، ولم تكن تعبد القبور، مستدلين بذلك على أن حروبهم كانت وحشية مثل صنيع غلاة التكفير في زماننا.

فينبغي لطالب العلم والباحث أن يعلم أنهم لم يكونوا بتلك السطحية التي يصورها الخصوم، وأن يستحضر أن جميع حروبهم كانت لأسباب منطقية ولأسباب قوية.

ولنأخذ من ذلك نموذجًا، ومن خلاله يمكن القياس على غيره:

إغارتهم على أهل القصيم رغم عدم وجود أضرحة لديهم، فإن ذلك كان بسبب أن أهل القصيم كانوا في معاهدة مع الأمير محمد بن سعود، وأرسل لهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب علماء وشيوخًا يعلمون الناس التوحيد والعقيدة، ثم عزم أهل القصيم على نقض العهد، وكاتبوا أمير الإحساء سعدون بن عريعر للقدوم عليهم، وقتلوا الشيوخ العُزل الذين أرسلهم الشيخ لهم في وقعة شنيعة تُسمى (مذبحة المطاوعة).

قال المؤرخ ابنُ لعبون رحمه الله: “وفي سنة 1196هـ أقبل بنو خالد على القصيم، وانقلبوا عن الدين، وقتلوا من عندهم ممن ينتسب إلى الدين ( [3] ) “، ثم سمّى ابن لعبون رجالًا من أئمة المساجد والمعلمين ( [4] ) .

وقال ابن بشر رحمه الله في أحداث سنة 1196هـ: “وفيها أجمع أهل القصيم على نقض البيعة والحرب، سوى أهل بريدة والرس وتنومة، وقَتَلوا كلَّ من ينتسب إلى الدين عندهم، خصوصًا المعلّمين الذين يعلّمونهم أحكام الشريعة… فحين قَرُبَ -أي: سعدون بن عريعر- من القصيم قام كل أهل بلد فقَتَلوا مَنْ عندهم من العلماء” ( [5] ) .

فقِس على هذه الحادثة بقيةَ حروبهم لمن وافقوهم في التوحيد لكنهم نقضوا العهد وساعدوا القبوريين لأسباب سياسية، كأهل الدلم حيث نقضوا العهد وطردوا دعاة التوحيد، وأهل حرمة الذين أخذوا دعاة التوحيد رهائن، وعلى هذا فقِس.

وقد قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالته لأهل مكة: “ولا نُكفّر إلا من بلغته دعوتنا للحق، وَوَضَحَتْ له المحجّة، وقامت عليه الحجّة، وأصرّ مستكبرًا معاندًا، كغالبِ من نقاتلهم اليوم، يُصرّون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر والمحرمات، وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله، ورضاه به، ولتكثير سواد من ذُكِر، والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله “ ( [6] ) .

فذكر الشيخ عبد الله -في النقل السابق- صنفين ممن قاتلوهم:

الأول: القبورية الصرفة الذين يصرون على عبادة الأضرحة ممن راسلوهم وأقاموا عليهم الحجة، وهم القسم الأكبر من حروب الوهابية.

والثاني: من ناصروا الصنف الأول، لكن ذبّوا عنهم وأعانوهم، وإن لم يباشروا عبادة الأضرحة.

والموضوع نراه عقليًّا ومنطقيًّا فضلًا عن كونه شرعيًّا، فالذي ينكر تعاطي المخدرات ويعترف بأنها ذنب كبير من الذنوب، ثم نراه يُعين تجار المخدرات ويُسهل لهم الطرق لدخوله إلى البلاد، فهو يأخذ حكمهم أيضًا، وإن لم يباشر تعاطي المخدرات بنفسه، وكذلك وسواءً بسواء من لا يعبد الأضرحة، لكنه يُعينهم بالمال والعتاد والسلاح، بل ويُسوِّغ مذهبهم، فهو يأخذ حكمهم أيضًا، هذا من الجانب الديني، فضلًا عن الجانب السياسي المتعلق بنقض العهود.

فلا ندري كيف يستشكل بعض المعاصرين هذا الأمر ويرونه شبهةً على الوهابية أصلًا؟!

القاعدة الثالثة: الله عز وجل لا يُقيم للخوارج دولة، ولا يجعل نفعهم عامًّا للأمة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية