شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

قد يحصل خلاف متقدّم على عالم من العلماء، ثم يستقر عمل المسلمين على التلقي بالقبول، وعمل المسلمين هو دليل صحة لا دليل فساد، فانتشار الأربعين النووية للإمام النووي مثلًا وشروحاته الفقهية -تشرحها الألسنة الزكية من الفقهاء والربانيين- دليل قبول هذا العمل ولو في الجملة.

وكذلك انتشر كتاب التوحيد ورسائل الشيخ، وعمل بها الفقهاء والمفكّرون، وتأثر بها المصلحون: كالشيخ جمال الدين القاسمي والآلوسي والزركلي والبيطار ورشيد رضا وأحمد شاكر ومحمود شاكر وعبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي، والأدباء: كالرافعي والعقاد والمنفلوطي، وعلماء الاجتماع: كمالك بن نبي وشكيب أرسلان، وحصر ذلك يطول جدًّا.

حتى إنه لا يُعرف فاضلٌ قطّ في القرن الماضي إلا وهو يثني على الشيخ محمد بن عبد الوهاب خيرًا؛ لما له من جهود في يقظة الأمة ( [39] ) .

وقد احتج ابن تيمية على قاعدة القبول والذيوع بين الناس على قبول علم العالم، وأن عدم قبوله دليل على فساده، فيقول ابن تيمية: “إن المخالفين للحق البيِّن من الكتاب والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة مشهود عليهم بالضلالة، ليس لهم في الأمة لسان صدق ولا قبول عام” ( [40] ) .

فقد بالغ كثير من السلف في ذم قراءة حمزة الزيات -وهي قراءة سبعية-، ونقل ذلك عن يزيد بن هارون وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وعبد الله بن إدريس الأودي وأبي بكر بن عياش وحماد بن زيد والساجي وغيرهم الكثير، حتى إن بعضهم قال: من صلى خلف من يقرأ بحمزة فليعد صلاته.

ومع هذا: استقر عمل المسلمين على تلقيها بالقبول وإهدار قول من تكلم فيه مع عظم قدرهم، وقد ذكر الذهبي رحمه الله أن الإجماع قد انعقد بأخره على تلقي قراءة حمزة بالقبول، والإنكار على من تكلم فيها ( [41] ) .

واستقرار عمل المسلمين أو التلقي بالقبول من الأمور المعتبرة التي يحتج بها؛ وذلك من وجوه:

أولا: لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد أجمعت الأمة أن الفاسد لا يكون له قدم صدق، ولا ينتشر علمه أو يذيع صيته بين الناس، إذ الله لا يصلح عمل المفسدين.

ثانيا: قد يكون الرجل مخطئا إلا أنه في نفسه مُخلص ومتأول، فيبارك الله في بقية علمه الصالح لإخلاصــه؛ إذ الله لا يُضيع العمل الصالح وإن كان مشوبًا بالخطأ، وفي ذلك يقول الله عز وجل: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17].

وأخيرًا.. إن الطّعن في علماء الأمّة الذين لهم قدَم صدقٍ وقبول عامّ ليس من شأن طالب الحقّ، وإنما هذا شأن الدعوات الهدّامة من غلاة المتصوفة والشيعة ونحوهم من دعاة الفُرقة الذين غاظهم اتحاد الكلمة وعموم الخير وانتفاع الناس به، وإطباق المصلحين على ذلك، فبعد أن كانوا منبوذين من الأمة بكافة طوائفها وجدوا مدخلًا من جديد لبثّ الفرقة بصراعاتٍ ونزاعاتٍ لا طائل تحتها، وليس هذا مما يفيد المسلم، ولا تحته عمل، ولا فيه علم نافع ولا عمل صالح، فعلى طالب العلم وطالب الحقّ أن يحذر من تلك المسالك.

وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــ

(المراجع)

([1]) مجموع الفتاوى (20/ 164).

([2]) كنز الجوهر في تاريخ الأزهر، سليمان رصد الحنفي، ١٣٢٠هـ، (ص: ١٧٦-١٧٧).

([3]) يقصد بالدين: دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

([4]) تاريخ ابن لعبون (ص: 194).

([5]) عنوان المجد (1/ 145-146).

([6]) الدرر السنية (1/ 243).

([7]) أخرجه الإمام أحمد -ط. أحمد شاكر- (11/ 88)، وإسناده صحيح.

([8]) ينظر: سير أعلام النبلاء (4/ 554).

([9]) الأعلام (7/ 257).

([10]) نقله عبد الرحمن بن قاسم من تاريخه في الدرر السنية (16/ 353).

([11]) انظر ترجمتهما في كتاب: أعلام نجد وغيرها، للبسَّام (ص: 60-75)، وقد ذكر العلامة عبد الرحمن بن حسن مشايخه في الأزهر وقراءته عليهم في كتابه: الإيمان والرد على أهل البدع (ص: 21)، ضمن مجموع الرسائل النجدية.

([12]) ينظر: عنوان المجد لابن بشر (1/ 177).

([13]) تاريخ الجبرتي (3/ 240).

([14]) تاريخ الجبرتي (2/ 405)، أحداث شعبان سنة 1215هـ.

([15]) نيل الأوطار (4/ 95).

([16]) الأبحاث المسددة في فنون متعددة، للعلامة المقبلي (ص: ١٥٨، ١٦٥).

([17]) شرح عقيدة أهل التوحيد الكبرى (ص: ٣٧).

([18]) حاشية البيجوري على جوهرة التوحيد (ص: ٧٨).

([19]) فتاوى الخليلي (٢/ ٢٨٢).

([20]) جواب ابن عفالق على عثمان بن معمر نقلًا من كتاب (الوهابية دين سعودي جديد) (ص: 463).

([21]) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الرسائل الشخصية (ص: 20).

([22]) الصواعق والرعود (ص: 127).

([23]) الصواعق والرعود (ص: 127).

([24]) مجموع الفتاوى (1/ 168).

([25]) الدر النضيد (ص: 30).

([26]) الدر النضيد (ص: 31).

([27]) الرسائل الشخصية (ص: ٦٦).

([28]) الدرر السنية (10/ 145).

([29]) البداية والنهاية (9/ 204).

([30]) الإخوان السعوديون في عقدين (ص: 305).

([31]) حقيقة الصراع في تاريخ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: 354-364).

([32]) البدر الطالع (1/ 182).

([33]) مجموع الفتاوى (4/ 13، 14).

([34]) ينظر: سير أعلام النبلاء (18/ 503).

([35]) مجموع الفتاوى (5/ 119).

([36]) الفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان (ص: 62).

([37]) النوازل الصغرى (1/ 415).

([38]) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله (ص: 941).

([39]) حتى إن الشيخ محمود شاكر وضعه أحد الخمسة الذين تولّوا يقظة ديار الإسلام. انظر رسالة: في الطريق إلى ثقافتنا (ص: 117).

([40]) مجموع الفتاوى (4/ 201). وانظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 307).

([41]) ميزان الاعتدال (2/ 378).

الصفحة السابقة