شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

يقول الشيخ رحمه الله في رسالته لعبد الله بن سحيم: “فإن عرفت أن الصواب معي، وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء؛ أعني دين الإسلام الصِرف الذي لا يُمزج بالشرك والبدع، وأمَّا الإسلام الذي هو ضد الكفر، فلا شك أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأمم، وعليها تقوم الساعة” ( [27] ) .

وهذا يدل على أن الإسلام الذي يقصده هو الإسلام الخالي من البدع والشركيات، أما مطلق الإسلام فالأمة عليه، بمنطوق كلامه رحمه الله.

كذلك وصف ابن غنام وابن بشر لبعض النواحي أنها بلاد شرك، أو وصفهم إياها بالردة ونحو ذلك، فهذا وصف متعلق بأهل الحل والعقد في تلك النواحي الذين يديرون زمام الأمور، وليس وصفًا لأفرادها بالضرورة.

وقد نبَّه الشيخان حسن وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هذا الأمر، فقالا: “وقد يُحكم بأن أهل هذه القرية كفار، حكمهم حكم الكفار، ولا يحكم بأن كل فرد منهم كافر بعينه؛ لأنه يحتمل أن يكون منهم من هو على الإسلام معذور في ترك الهجرة، أو يظهر دينه ولا يعلمه المسلمون” ( [28] ) .

يقول الشيخ فيصل بن قزار الجاسم -وفقه الله-: “التعبير عن جيش الدولة بالمسلمين، كقول: (غزا المسلمون)، (قُتل من المسلمين كذا وكذا)، ونحو هذه العبارات، فإن هذا التعبير لا يلزم منه الحُكْمُ على الفريق الآخر بالكفر، فإنّ وصف جيش الإمام وجماعته وأهل العدل بالمسلمين في مقابل البغاة أو الخوارج قد جرى عليه كثير من المؤرّخين، وله شواهد لا يسع المجال لذكرها، منها على سبيل المثال: ما ذكره ابن كثير عن يعقوب بن سفيان، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عمران بن حدير، عن لاحق قال: (كان الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان أربعة آلاف في الحديد، فركبهم المسلمون فقتلوهم، ولم يقتلوا من المسلمين إلا تسعة رهط) ( [29] ) .

وفي رسالة أرسلها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى أمير الكويت أحمد الجابر يخبره بما جرى في معركة «السبلة» والتي جرت بين الملك عبد العزيز والثائرين عليه من حركة الإخوان، قال فيها رحمه الله: (ولذلك قام المسلمون في التاسع عشر من الشهر الماضي بالهجوم عليهم، وقتلوهم، ولقّنوهم درسًا مخيفًا) ( [30] ) “ ( [31] ) .

قلتُ: وقد وصف الشوكاني حروبهم بالفتوحات أيضًا، ولم يدل ذلك على كون الشوكاني خارجيًّا أو يُكفّر مخالفي الوهابية بالضرورة، فقال ممتدحًا لهم: “وكانت تلك البلاد قد غلبت عليها أمور الجاهلية، وصار الإسلام فيها غريبًا، ثم مات محمد بن سعود، وقد دخل في الدين بعض البلاد النجدية، وقام ولده العزيز مقامه، فافتتح جميع الديار النجدية والبلاد العارضية والأحساء والقطيف، وجاوزها إلى فتح كثير من البلاد الحجازية..” ( [32] ) .

القاعدة التاسعة: قد يحصل من أهل السنة الجور في بعض الأزمنة:

قد يحدث من أهل السنة بعضُ الجَور على أهل البدَع، وهذا ما يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول: (فالراد على أهل البدع مجاهد… -إلى أن قال:- والمجاهد قد يكون عدلًا في سياسته وقد لا يكون، وقد يكون فيه فجور) ( [33] ) .

ولا أدل على أنَّ صاحب الحقّ قد يصدر منه الجَور تأوُّلًا مما حدث من أسامةَ من قتل رجلٍ نطق الشهادتين، وما حصل من جَور بعض مجاهدي التابعين، مثل قتيبة بن مسلم الباهلي وغيره.

ومثال ذلك أيضًا ما حصل من شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي، لما كفَّر الأشعرية واستحلَّ دماءَهم، وقال: “عُرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي: اترك مذهبك، ولكن يقال لي: اسكُت عمَّن خالفَك، وأقول: لا أسكُت” ( [34] ) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ويبالغ -أي: الهروي- في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة” ( [35] ) .

ويقول أيضًا: “وليس من شرط وليّ الله أن يكون معصومًا لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفى عليه بعضُ علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدّين حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى الله عنه” ( [36] ) .

والواجبُ مدح أقربِ الطائفتين إلى الصواب، واغتفار قليل الخطأ بكثير الصّواب، وذلك بالنظر إلى أصول كلا الفريقين ومنطلقاتهما، لا التأوّل لفاعلي المنكرات وإلقاء اللوم على المُنكر عليهم! وأما إعذار فاعل المُكفِّرات من عدمه، فهذا وإن كان واقعًا فهو مانع من إسقاط الحكم عليه، وليس تسويغًا لفعله، أو مبررًا لعدم نهيه، أو حتى قتاله من ذوي الشأن والسلطة إذا لم ينته.

القاعدة العاشرة: التكفير بمسألة مختلف فيها ليس من قول الخوارج:

وبيان ذلك أن العالم الذي يُكفِّر بمكّفر، ولا يراه آخرون كذلك، أو قد يختلفون في تنزيل الحكم، فلا يكون العالم خارجيًّا بذلك، بل غايته هو اجتهاد سائغ ومقبول، وقد اختلف علماء الأشاعرة في تنزيل الحكم على طائفة ابن عربي، فمنهم من كفرهم عينًا لمخالفاتهم من الأمور الظاهرة عندهم، ومنهم من اكتفى بتكفير مقالاتهم والتشنيع عليهم، ومنهم من اعتذر لهم وجعلهم من الأولياء!

ولم يكن الذين كفَّروهم من الخوارج البتّة عند من لم يكفروهم، أو عند من عذَروهم؛ وذلك لأن المكفِّرين لهم أدلة ومناطات صحيحة، أما تنزيل الحكم على المُعين فلا يُلام فيه العالم ما دام مناط التكفير صحيحًا.

ومن أمثلة ذلك أيضًا ما ذكره المؤرّخون أن الأمير يوسف بن تاشفين استفتى الفقهاء في المعتمد بن عباد لما استعان بالنصارى، فأكثرهم جعلوها ردّة وكفَّروه عينًا، وبعضهم لم يجعلوه مرتدًّا لاحتمال تأويله، فأخذ ابن تاشفين بالقول الثاني وعفا عنه ( [37] ) .

والحاصل أن العلماء قد يختلفون في بعض المُكفّرات، أو تنزيل الحكم على الأعيان، ولا يكون من رأَى التكفير من الخوارج، وإنما يكون من الخوارج إذا كانت أصوله أصول الخوارج بأن يُكفِّر بما ليس بُمكفّر إجماعًا، مثل التكفير بالمعاصي والكبائر.

يقول العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني: “وقد جرى العلماء في الحكم بالردّة على أمور، منها ما هو قطعيّ، ومنها ما هو ظنيّ، ولذلك اختلفوا في بعضها، ولا وجه لما يتوهَّمه بعضهم أنه لا يُكفَّر إلا بأمرٍ مُجمع عليه” ( [38] ) .

القاعدة الحادية عشرة: ينبغي احترام قاعدة (ما استقر عليه العمل):

الصفحة السابقة الصفحة التالية