دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
يُعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من كبار علماء الإسلام في عصره والعصور المتأخِّرة، وكان مجاهدًا بقلمه ولسانه وسنانه، والعصر الذي عاش فيه استطال فيه التتار من جهة، واستطالت فيه الزنادقة وأصحاب الحلول والاتحاد والفرق الملحِدة من جهةٍ أخرى، فشمَّر عن ساعديه، وردّ عليهم بالأصول العقلية والنقلية، وكان سدًّا منيعًا أمام انتشار فكرهم وآرائهم.
يقول الحافظ الذهبي: “ولقد نصَرَ السنةَ المَحْضة والطريقة السلفية، واحتجَّ لها ببراهين ومقدِّمات وأمور لم يُسبق إليها، وأطلق عبارات أحجمَ عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجَسَر هو عليها، حتى قام عليه خلقٌ من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يُداهن ولا يُحابي، بل يقول الحقَّ المُرَّ الذي أدَّاه إليه اجتهادُه وحِدَّةُ ذهنه وسَعَة دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر منه من الوَرَع وكمال الفكر وسرعة الإدراك والخوف من الله والتعظيم لحُرمات الله” ( [1] ) .
وقد كان رحمه الله قويَّ الشكيمة على أعداء الإسلام، فبعدما اجتاحت جيوش التتار الشام وانسحب محمد بن قلاوون إلى مصر دخل ابن تيمية على قازان ملك التتار، وكلَّمه بنفسه ولم يهَبْه، وطالب ابن قلاوون بالعودة إلى الشام، وشارك في معركة شقحب التي انتصر فيها المسلمون نصرًا مؤزرًا، وشارك أيضًا في فتح عكّا وانتزاعها من الصليبيين.
يقول أبو حفص البزار: “وأخبر غير واحد أن الشيخ رضي الله عنه كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتهم وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضهم هلعًا أو رقة أو جبانة شجَّعه وثبَّته وبشَّره ووعده بالنصر والظفَر والغنيمة، وبيَّن له فضل الجهاد والمجاهدين وإنزال الله عليهم السكينة. وكان إذا ركب الخيل يتحنَّك ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبِّر تكبيرا أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوضَ رجل لا يخاف الموت. وحدَّثوا أنهم رأوا منه في فتح عكّا أمورًا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملّك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره” ( [2] ) .
ولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية هو أبرز المدافعين عن المنهج السلفي في المتأخرين، ومن أشهر الذابِّين عن حياضه أصوليًّا ومعرفيًّا وكلاميًّا درج بعض الغلاة في الحطّ عليه، وتصويره وكأنه مخالف لمجموع المسلمين؛ من أجل تنفير الناس منه.
ومن تلك الدعاوى المُنفِّرة عنه قول بعض المعاصرين: (إن ابن تيمية من الشخصيات الجدلية في التاريخ الإسلامي، ولا يُبتّ في إيمانه، شأنه شأن ابن عربي الطائي، ولذلك على المسلم أن يتَّبع جماهير المسلمين، ولا يتَّبع من هو مختلَفٌ فيه؛ حتى يكون في مأمن في دينه).
وفي الحقيقة: إن هذا القول السابق ليس قولًا وسطيًّا كما يُصوِّره قائله، بل هو من أقوال الغلاة الذين رد َّعليهم الأئمة، ورفضهم جمهور علماء الأمة الإسلامية، كما سنعرف إن شاء الله.
وسينتظم الجواب على تلك الدعوى من في النقاط التالية:
1- بيان أن ذم المصلحين أمرٌ لا بد منه.
2- بيان شذوذ من تكلم في ابن تيمية.
3- تأمل موارد الخلاف بين ابن تيمية ومنتقديه.
4- دخول ابن تيمية ضمن البناء الفقهي لمذهب الحنابلة.
5- درجة من ذمّوا ابن تيمية، وهل يُعتد بقولهم؟
6- بيان موقف التقي السبكي وتلامذته.
7- ابن حجر الهيتمي وردود العلماء عليه.
مركز سلف للبحوث والدراسات
أولا: بيان أن ذم المصلحين أمرٌ لا بد منه:
مِن سنةِ الله عز وجل أنه لا بد من وجود محنة للعالم الرباني، لا سيما للمجدِّدين في الإسلام، وهذه سنةُ الله في أنبيائه وأوليائه، ولقد امتُحن الإمام البخاري من أكابر عصره، وكان الأئمة في زمانه أفضلَ ممن هم في زمان ابن تيمية، وتكلَّم فيه أحمد بن يحيى الذهلي وهو من أقران الإمام أحمد، وتركه علماء بغداد، ولقد كانت هذه المحنةُ سببًا للطعن في هذا الإمام العظيم، والقدح في عدالته عند بعض الأئمّة، ومع ذلك كله لم يصحَّ اعتبار البخاري شخصيّة جدليةً في التاريخ، بل هو من أكابر العلماء المخلصين ولو تكلَّم فيه من تكلَّم.
وقد تكلَّم فيه ابن أبي حاتم الرازي في كتابه فقال: “قدم محمد بن إسماعيل الريَّ سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظَه بالقرآن مخلوقٌ” ( [3] ) .
قال الذهبي رحمه الله: “إن تركا حديثه أو لم يتركا البخاري ثقة مأمون يُحتَجّ به في العالم” ( [4] ) .
فإذا حصل ذلك للبخاري ومعاصرُوه من أهل السُنة الصِّرفة، فكيف بالمجدِّدين الذين ظهروا في عصورٍ متأخِّرة حيث انتشار البدع والأهواء؟! وقد دخلت البدع حتى في المساق العلميّ والمعرفيّ حيث دخل علم المنطق في أصول الفقه، ودخلت علوم اليونان في أصول الدين، وادَّعوا معارضة القواطع العقلية للأدلة النقلية، وساد التقليد الفقهي دون نظرٍ، وشبَّ الصغير وشاب الكبير على تلك المحدثات، فمن الطبيعي أن يُنكر التقليديون على المُجدِّد المخالف لما نشؤوا عليه.
ولو أنَّ الخطَّ العلميَّ للأمة الإسلامية سيكون مستقيمًا أبدَ الدهر ولن يدخلَه البدع -كما يزعم المخالفون- لما كان هناك حاجة للتجديد والإصلاح أساسًا، ولكانت الأحاديث النبوية الدالة على حدوث البدع وظهورها في آخر الزمان ضربًا من العبَث، وكذا ظهور المجدِّدين في الأمة ليس له معنى، ويكون خلوًا من الفائدة. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا » ( [5] ) .
وقد امتُحن كثير من الأئمَّة المصلحين الذين جهروا باعتقاد السلف الصالح، وقالوا ما أدَّاهم إليه اجتهادهم، وحصل لهم محنةٌ من أهل زمانهم، وهي سنّة الله السائرة في كلّ زمانٍ ومكانٍ.
ومن أمثلة هؤلاء: الحافظ أبو النصر السجزي (444هـ):