دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب
يقول أبو المعالي الجويني في الحافظ السجزي: “قد ذكر هذا اللَّعين الطريدُ المهينُ الشريدُ فصولًا، وزعم أنَّ الأشعرية يكفِّرون بها، فعليه لعائن الله تترَى، واحدة بعد أخرى، وما رأيتُ جاهلًا أجسر على التكفير وأسرع إلى التحكّم على الأئمة من هذا الأخرق”. وتكلَّم السجزي في النزول والانتقال والزوال والانفصال والذهاب والمجيء، فقال الإمام: “ومن قال بذلك حلَّ دمه”. وتبرم الإمام كثيرا من كلامه معه. وقد نقل التقي السبكي كلام إمام الحرمين مقرًّا له ( [6] ) .
ورغم ما قيل في السجزي من قِبَل الأشاعرة لا يمكن اعتبارُه شخصية جدليّةً، ومن راجع ترجمة الإمام السجزي لا يمكنه أبدًا قبول ما قاله الجويني فيه. يقول الحافظ الذهبي: “أبو نصر السجزي الإمام العالم الحافظ المجوِّد، شيخ السنة، أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم بن أحمد، الوائلي البكري السجستاني، شيخ الحرم، ومصنف (الإبانة الكبرى) في أن القرآن غير مخلوق، وهو مجلَّد كبير دالّ على سَعَة علم الرجل بفنّ الأثر” ( [7] ) .
ومن هؤلاء: الحافظ الفقيه عبد الغني المقدسي (600هـ):
وهو صاحب المصنّفات السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف، قد ظُلم واضطُهد طيلة حياته، ومات طريدًا؛ بسبب اتهامه بالتجسيم، وحكم عليه الأشاعرة بالكفر والبدعة، فطرده القضاة والعلماء من أصبهان والموصل ودمشق ومصر.
يقول ابن كثير: “وكان رقيقَ القلب سريعَ الدمعة، فحصل له قبول من الناس جدًّا.. فذكر يومًا عقيدته على الكرسي، فثار عليه القاضي ابن الزكي وضياء الدين الدولعي، وعقدوا له مجلسًا في القلعة يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة خمس وتسعين. وتكلَّموا معه في مسألة العلو ومسألة النزول، ومسألة الحرف والصوت، وطال الكلام، وظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب القلعة: كلّ هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق؟! قال: نعم. فغضب برغش من ذلك، وأمره بالخروج من البلد. فارتحَل بعد ثلاثٍ إلى بعلبك، ثم إلى القاهرة، فآواه الطحانيون، فكان يقرأ الحديث بها، فثار عليه الفقهاء بمصر أيضًا، وكتبوا إلى الوزير صفيّ الدين بن شكر، فأقرَّ بنفيه إلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب” ( [8] ) .
فهل يقول عاقل: إن الحافظ عبد الغني من الشخصيات الجدليّة في التاريخ الإسلامي كابن عربي الطائي؟! وهل يخرُج هذا القول إلا من سفيه لا يعرف قدر أئمة هذا الدين؟!
ولا عبرةَ بقول غلاة الأشاعرة فيه، فالحافظ عبد الغني يعرف قدرَه الكبارُ، وتتابع الفحول على كتابه (الكمال في أسماء الرجال) تهذيبًا وترتيبًا، كالحافظ المزي، ثم الحافظ الذهبي، ثم الحافظ ابن حجر، وغيرهم. وكان للشيخ عبد الغني منَّة لكل صاحب حديث جاء بعده.
قال ابن رجب في ترجمة عبد الغني المقدسي: «أخذوا عليه مواضع، منها قوله: (ولا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول)، ومنها قوله: (كان ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان)، فقالوا له: إذا لم يكن على ما قد كان فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزّهه تنزيهًا تنفي حقيقة النزول فقد أجزت عليه الانتقال… -إلى أن قال:- فأما قولهم: (أجمع الفقهاء على الفتوى بكفره وأنه مبتدع) فيا لله العجب! كيف يقع الإجماع وأحفظ أهل وقته للسُّنة وأعلمهم بها هو المخالف؟! -يعني عبد الغني- هذا مع مخالفة فقيه الإسلام في وقته -يعني ابن قدامة- الذي يُقال: إنه لم يدخل الشام بعد الأوزاعي أفقه منه، ومعه خلق أئمة وفقهاء” ( [9] ) .
ومن هؤلاء: الحافظ أبو الحجاج المزي (742هـ):
وهو شيخ الذهبي والتاج السبكي وغيرهم، وقد ثار قضاة الأشاعرة ضدَّ الحافظ المزي وسجنوه مرتين، وهؤلاء القضاة الذين سجنوه هم أنفسُهم من سجنوا ابن تيمية، فهل يقال: إنَّ المزِّيَّ شخصية جدلية في التاريخ؟!
قال ابن حجر: “وأوذي ]أي: المزي[ مرة في سنة 705 بسبب ابن تيمية؛ لأنه لما وقعت المناظرة له مع الشافعية وبحث مع الصفي الهندي ثم ابن الزملكاني بالقصر الأبلق شرع المزي يقرأ كتاب (خلق أفعال العباد) للبخاري، وفيه فصل في الرد على الجهمية، فغضب بعضهم وقالوا: نحن المقصودون بهذا، فبلغ ذلك القاضي الشافعي يومئذ، فأمر بسجنه، فتوجه ابن تيمية وأخرجه من السجن، فغضب النائب فأعيد، ثم أفرج عنه، وأمر النائب -وهو الأفرم- بأن ينادَى بأن من يتكلَّم في العقائد يُقتَل” ( [10] ) .
ثم إننا نقول: لا يوجَد أحدٌ من أرباب الفكر الإسلاميّ الذين أثَّروا في تاريخ الحضارة الإسلامية إلا وتكلم معاصروه فيه.
فهذا الإمام الغزالي (505هـ) مثلًا لم يكن كلمةَ إجماع من بني جلدته الأشعريّة فضلًا عن أهل الحديث؛ فقد حطَّ عليه الحافظ ابن الصلاح وابن الجوزي والقاضي عياض وغيرهم لدخوله في مادة فلسفية، ولشطحاته الصوفية البعيدة عن الكتاب والسُنة.
قال القاضي عياض: “والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة والتصانيف الفظيعة، غلا في طريقةِ التصوُّفِ وتجرَّد لنصر مذهبهم، وصار داعيةً في ذلك، وألَّف فيه تواليفه المشهورة، أُخذ عليه فيها مواضعُ، وساءتْ به ظنونُ أمَّةٍ، والله أعلم بسرِّه” ( [11] ) .
وقال أبو عمرو بن الصلاح: “فصلٌ لبيان أشياء مهمة أُنكرت على أبي حامد: ففي تواليفه أشياء لم يرتضها أهل مذهبه من الشذوذ، منها قوله في المنطق: هو مقدّمة العلوم كلِّها، ومن لا يحيط به، فلا ثقةَ له بمعلوم أصلًا. قال: فهذا مردود، إذ كلّ صحيح الذهن منطقيٌّ بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأسًا” ( [12] ) .
يقول ابن تيمية: “ولهذا كان الشيخ أبو عمرو بن الصلاح يقول -فيما رأيته بخطه-: أبو حامد كثر القول فيه ومنه، فأما هذه الكتب -يعني المخالِفة للحق- فلا يُلتفَت إليها. وأما الرجل فيُسكَت عنه ويُفوَّض أمره إلى الله” ( [13] ) .
فهذا القول ينقله ابن تيمية فيما رآه بخطِّ ابن الصلاح: أن الغزالي كثُر القول فيه، ويُفوَّض أمره إلى الله، ومع ذلك فقد درج الأشعرية المتأخِّرون بتلقيبه بحجة الإسلام، ولم يجعلوه بذلك شخصيةً جدليةً.
والشاهد مما سبق: أنه ما مِن إمامٍ له تأثير في التاريخ الإسلاميّ إلا رَدَّ ورُدَّ عليه، ولو كان الأمر كذلك لأسقطنا كلَّ أعلام الأمَّة الإسلامية، فتأمل هذا.
ثانيا: بيان شذوذ من تكلَّم في ابن تيمية :